56سأذ 24 شوال 1426هـ - 27 نوفمبر 2005م ــــــــ ـــــــــــ ـــــــــــ
الجزء ١ · صفحة ٣الأمر الثاني: أن تلك الشدة -كما قلت- لم تكن لأجل أنفسهم وإنما كانت لأجل حرمات الله، فالله - سبحانه وتعالى - هو أغير من أي أحد على حرماته، والصالحون يتفاوتون في هذه الغيرة على حرمات الله بقدر تفاوتهم في القرب من الله، فإن من كان أقرب إلى الله كان أشد غيرة من غيره، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مع ما عُرف به من الرفق واللطف وحب تأليف القلوب لكن مع ذلك لم يكن يداهن في أمر الله - سبحانه وتعالى - ، وعندما حاول المشركون أن يساوموه بحيث عرضوا عليه أن يعبد آلهتهم عاماً ليعبدوا إلهه عاماً أنزل الله - سبحانه وتعالى - ما يقطع دابر هذه المساومة وهو قوله: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ - وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ - وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ - وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ - لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [ سورة الكافرون، الآيات: 1-6 ].
فالناس بطبيعة الحال عندما تتأجج الغيرة في قلوبهم على حرمات الله لا بد من أن ينعكس أثر هذه الغيرة التي في نفوسهم في سلوكهم وفي عملهم وفي مواجهتهم لأولئك الذين يرتكبون حرمات الله - سبحانه وتعالى - .
فالشدة في ذات الحق أمر غير منكر، وأمر غير بغيض إلى الله، بل هو أمر حبيب إلى الله - سبحانه وتعالى - ، ولكن مع هذا كله الحكمة مطلوبة لا باعتبار ما للمدعو من حرمات، فإن المدعو قد يكون صاداً شديد العنت، شديد الإعراض عن أمر الله - سبحانه وتعالى - ، وهو جدير بأن يواجه بالشدة، ولكن من أجل الحكمة قد تكون هذه الحكمة إن لم تنفعه هو تنفع غيره، وهكذا.