جمهرة اللغة محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أبو بكر

باب ما يتكلم به بالصفة وتلقى منه الصفة فيفضي الفعل إلى الاسم

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٤

قال: ويقال: هو بِصِماتِه، إذا أشرف على قصده. وقال مرة أخرى: يقال: هو بِصِمات حاجته، إذا دنا من قضائها.

وقال أبو زيد: جئتُ من القوم وجئتُ من عندهم، ورُحْتُ القومَ ورُحْتُ إليهم. وتعرّضتُ معروفَهم وتعرّضتُ لمعروفهم؛ ونأيتُهم ونأيتُ عنهم، ورَهَنْتُ عند الرجل رَهْناً ورَهَنْتُه رَهْناً، وحَلَلْتُ بالقوم وحَلَلْتُهم، ونَزَلْتُهم ونَزَلْتُ بهم، وأمللتُهم وأمللتُ عليهم، إذا أضجرتهم؛ ونَعِمَ اللّه بك عيناً وأنعمَ بك عيناً ونَعِمَك عينَاً؛ وطرحتُ الشىءَ وطرحتُ به؛ ومَدَدْتُ الشيء ومَدَدْتُ به.

قال: ويقال: خَذَلَ القومُ عنّي يخذُلون خِذْلاناً، وخَذَلوني خَذْلاً وخِذْلاناً.

قال: ويقال: إلْهَ عن ذاك، وقد لَهِيَ عن ذاك يَلْهى لُهِيّاً. قال أبو بكر: لم يعرف الأصمعي لُهِيّاً في المصدر، ومن اللهو: لها يلهو لَهْواً.

وقال أبو عُبيدة: يقال: الموت من ورائك، أي قُدّامَك. وفي التنزيل " ومِن ورائه عذابٌ غليظ " ، أي من أمامه. وقال الفرزدق:

أترجو بنو مروانَ سَمْعي وطاعتي … وقومي تميمٌ والفَلاةُ ورائيا

أي قُدّامي.

وقال أبو زيد: يقال: جئتُ من مع القوم، أي من عندهم. وقال رجل من العرب: إني لأكون مع القوم فأقوم من معهم. وإنما امتنعت العرب، في " مِن " ، من إدخالهم إيّاها على اللام والباء لأنهما قلَّتا فلم يتوهّموا فيهما الأسماء لأنه ليس من أسماء العرب اسم على حرف، وقد أدخلوها على الكاف لأن معناها عُرِفَ في الكلام، كما قال الشاعر:

وَزعْتُ بكالهَراوةِ أَعوَجيٍّ … إذا وَنَتِ الجيادُ جرى وَثَابا

أراد فرساً. وقوله: أعوجيّ، نسبه إلى أعْوَجَ، فرسٍ من خيل العرب معروف؛ وقوله: ثاب، جاء بجريٍ ثانٍ. قال: وإنما امتنعوا من إدخالها في " في " لأن الدليل على كل محلّ أنه مخالف للاسم، فلما كانت تذهب على المحالّ معاني الأسماء تنحّت " في " عن مذهب الاسم فلم تقع عليها لهذه لعلّة. قال: وأنشد:

على كالخَنيف السَّحْق يدعو به الصَّدَى … له صَدَدٌ وَرْدُ التراب دَهينُ

أراد: على طريق كالخَنيف، فكفَّ عن " الطريق " . وأنشد لجرير:

جريءُ الجَنان لا أُهالُ من الرَّدَى … إذا ما جعلتُ السيفَ من عن شِماليا

وقال أبو زيد: سمعت العرب تقول: يأتي عليَّ اليومان لا أَذوقهما طعاماً، أي لا أذوق فيهما. وقد كنتُ آتيك كلَّ يوم طَلَعَتْه الشمسُ. قال: وأنشد:

يا رُبَّ يوم لي لا أُظَلَّلُهْ

أَرمَضُ مِن تحتُ وأَضْحَى مِن عَلُهْ

أي لا أظلَّل فيه. وقد قال بعضهم: في ساعة يُحَبُّها الطعام، أي يُحَبّ فيها، وهذا في المواقيت جائز. وأنشد:

قد صَبَّحَتْ صَبَّحَها السَّلامُ

بكَبِدٍ خالطَها السَّنامُ

في ساعةٍ يُحَبُّها الطعامُ

ثم رأيتُ العرب قد ألغت المحالَّ حتى جرى الكلام بإلغائهن فقالوا: خرجتُ الشامَ وذهبتُ الكوفَة وانطلقتُ الغورَ، فانفذتْ هذه الأحرفَ في البلدان كلِّها المضمر فيها؛ ومن قال هذا لم يقل: ذهبتُ عبدَ الله ولا كتبتُ زيداً وما أشبهه لأنه ليس بناحية ولا محلّ، وإنما جاز في البلدان لأنها نواحٍ إذ كثر استعمالُهم إيّاها. قال: وأنشدني بعضهم:

تصيح بنا حَنيفةُ حين جثنا … وأيَّ الأرض تذهب للصِّياحِ

يريد: إلى أيّ الأرض.

وقد قالت العرب: هذا الطعام لا يَكيلني، أي لا يكفيني كيلُه. قال اللّه جلّ ثناؤه: " وإذا كالُوهم أو وزنوهم يُخْسِرون " .

ويقولون: تعلّقتُك وتعلّقتُ بك، وكَلِفْتُك وكَلِفْتُ بك. وإنما سَهُلَ في الباء لأنها أصل لجميع ما وقعت عليه الأفاعيل إذا كنيت عنها بفعلت، ألا ترى أنك تقول: ضربت أخاك، فإذا كنيت عن ضربت قلت: فعلته. قال اللّه عزّ وجلّ: " وزوّجناهم بحُورٍ عِينٍ " ، أي حوراً عيناً، وهي لغة لأزد شَنوءة يقولون: زوّجتُه بها، وغيرهم يقول: زوّجتُه إيّاها. ولذلك اجترأت العرب على المحالّ فأسقطوها من الأسماء وأوقعوا الأفاعيل عليها. قال: وأنشد بعضهم:

نُغالي اللحمَ للأضياف نِيئاً … ونرْخِصه إذا نَضِجَ القُدورُ

وقال الآخر:

نجا سالمٌ والنفسُ منه بشِدقه … ولم يَنْجُ إلاّ جفنَ سيفٍ ومِئزرا

٧٥٤ / ٧٦٥