شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الكتاب الحادي والعشرون في الفرائض

الجزء ٣١ · صفحة ١٠٨

وَلِلْإِرْثِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَرْبَعَةُ أَسْبَابٍ : الْأَوَّلُ : الْمُحَالَفَةُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ الْآيَةَ ، وَنَصِيبُ الْمُحَالَفَةِ السُّدُسُ ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : دَمِي دَمُكَ وَحَرْبِي حَرْبُكَ وَسِلْمِي سِلْمُكَ ، أَيْ : صُلْحِي صُلْحُكَ ، وَيَقُولُ أَيْضًا : هَدْمِي هَدْمُكَ وَسِلْمِي سِلْمُكَ وَحَرْبِي حَرْبُكَ ، تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ ، وَتَنْصُرُنِي وَأَنْصُرُكَ ، وَتَعْقِلُ عَنِّي وَأَعْقِلُ عَنْكَ ، وَرُبَّمَا زِيدَ فِي ذَلِكَ : وَثَأْرِي ثَأْرُكَ وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ ، وَثُبُوتُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ هُوَ مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .

وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ طَبَرِيَّةَ : إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْإِسْلَامِ أَصْلًا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ نُسِخَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَمْ يُنْسَخْ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ فَيُقَدَّمُ عَلَى ذَوِي الرَّدِّ وَذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَالْمُخَالَفَةُ : الْمُعَاهَدَةُ عَلَى الشَّيْءِ بِتَأْكِيدٍ وَلَوْ بِقَسَمٍ الثَّانِي : الْهِجْرَةُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا ﴾ الْآيَةَ ، كَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ ، فَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ لَمْ يَرِثْهُ مَنْ هَاجَرَ وَلَمْ يَرِثْ مَنْ هَاجَرَ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ آخَى بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَخَارِجَةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَبَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﴾ الثَّالِثُ : الرُّجُولِيَّةُ ، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَالصِّغَارَ وَلَا يُوَرِّثُونَ إلَّا مَنْ يُقَاتِلُ ، وَيَحُوزُ الْغَنِيمَةُ ، { وَمَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتٍ أَخُو حَسَّانٍ وَاسْمُهُ أَوْسٌ وَتَرَكَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا : أُمُّ كَجَّةَ وَخَمْسَ أَخَوَاتٍ ، فَأَخَذَ الْوَرَثَةُ مَالَهُ فَشَكَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ

١٥٬١٠٨ / ١٧٬٤٣٨