الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لإسحاق بن خلف البهراتي

الجزء ١ · صفحة ١١٠

وهو لعمري كلام مستهجن موضوع في غير موضعه ، لأن حق رسول الله صلى الله وعليه وسلم أن يضاف إليه، ولا يضاف إلى غيره، ولو اتسع متسع فأجراه في باب الحيلة لخرج على الاحتيال ، ولكنه عسر موضوع في غير موضعه ، وباب الاحتيال فيه أن، تقول: قد يقول القائل من بني هاشم لغيره من أفناء قريش: منا رسول الله صلى الله وعليه وسلم ، وحق هذا أ،ه من القبيل الذي أنا منه. فقد أضاف إلى نفسه، وكذلك يقول القرشي لسائر العرب ، كما قال حسان بن ثابت:

مازال في الإسلام من آل هاشم … دعائم عز لاترام ومفخر

بهاليل منهم جعفر وابن أمه … عليّ ومنهم أحمد المتخيّر

فقال: منهم كما قال من نفره ، من النفر الذين العباس هذا الممدوح منهم.

وأما قول حسّان : منهم جعفر وابن أبن أمه عليّ ومنهم أحمد المتحيز فإن، العرب إذا كان العطف بالواو قدمت وأخرت ، قال الله تبارك وتعالى: " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " التغبان2، وقال: " يا معشر الجن والإنس " الرحمن 33، وقال: " واسجدي واركعي مع الراكعين " آل عمران 43، ولو كان بثم أو بالفاء لم يصلح إلا تقديم المقدم، ثم الذي يليه واحداً: أحدا.

وأما قوله في هذا الشعر:

وكريم الخال من يمنٍ … وكريم العم من مضره

فأضاف مضر إليه ، فهو كلام لا يمنع منه ممتنع ، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يوم الحمل للأشتر وهو مالك بن الحارث أخذ النخع ابن مرو بن علة بن جلد وكان على الميمنة: احمل . في أصحابه فكشف من بإزائه، ثم قال لهاشم بن عتبة بن مالك أحد بني زهرة بن كلاب وكان على المسيرة احمل . فحمل في المضرية فكشف من بإزائه. فقال عليّ رضي الله عنه لأصحابه: كيف رأيتم مضري ويمني! ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟فأضاف القبيلتين إلى نفسه،قال جرير:

إن الذين ابتنوا مجداً ومكرمةً … تلكم قريشي والأنصار أنصاري

لإسحاق بن خلف البهراتي

ومما يستحسن من أشعار المحدثين قول إسحاق بن خلف البهراتي، ونسبه في بني حنيفة لسباء وقع عليه، يقول لعلي بن عيسى بن مريم بن موسى بن طلحة الأشعري المعروف بالقمي:

وللكرد منك إذا زرتهم … بكيدك يوم كيوم الحمل

ومازال عيسى بن موسى له … مواهب غير النطاف المكل

لسل السيوف وشق الصفوف … لنقض الترات وضرب القلل

ولبس العجاجة والخافقات … تريك المنا برؤوس الأسل

وقد كشرت عن شبا نابها … عروس المنية بين الشعل

وجاءت تهادى وأبناؤها … كأن عليهم شروق الطفل

خروسٌ نطوق إذا استنطقت … جهول تطيش على من جهل

إذا خطبت أخذت مهرها … رؤوساً تحادر قبل النقل

ألد إليه من المسمعات … وحث الكؤوسه في يوم طل

وشرب المدام ومن يشتهيه … معاط له بمزاح القبل

بعثنا النّواعج تحت الرحال … تسافه أشدقها في الجدل

إذا ما حدين بمدح الأمير … سبقن لحاظ المحثّ العجل

قوله: تريك المنا يريد المنايا وهذه كلمة تخف على ألسنتهم فيحذفونها، وزعم الأصمعي أنه سمع العرب تقول: درس المنا ، يريدون المنازل، وجاء في التخفيف أعجب من هذا، حدثنا بعض أصحابنا عن الأصمعي وذكره سيبويه في كتابه ولم يذكر قائله، ولكن الأصمعي قال: كان أخوان متجاوران لا يكلم كل واحد منهما صاحبه سائر سنته حتى يأتي وقت الرعي.فيقول أحدهما لصاحبه : ألاتا؟ فيقول الآخر: بلى فا ، يريد: ألا تنهض؟ فيقول الآخر، فأنهض . وحكى سيبويه في هذا الباب:

بالخير خيراتٍ وإن شراً فا … ولا أريد الشر إلا أن تا

يريد: وإن شراً فشر، ولا أريد الشر إلا أن تريد.

وهذا خلاف ما تستعمله الحكماء، فإنه يقال: إن اللسان إذا كثرت حركته، رقت عذ بته.

وحدثني أبو عثمان الجاحظ قال: قال لي محمد الجهم : لما كانت أيام الزّط أدمنت الفكر، وأمسكت عن القول، فأصابتني حبسةً في لساني.

وقال رجل من الأعراب يذكر آخر منهم:

كأن فيه لففاً إذا نطق … من طوال تحبيسٍ وهم وأرق

١١٠ / ٣٣٦