لعبد الله بن محمد بن أبي عيينه
الجزء ١ · صفحة ١١٢اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعاً … في شاذ مهر ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه … من هوذة بن علي وابن ذي يزن
فأحسن الترتيب جداً ، وإن كانت الملوك كلها تلبس التاج في ذلك الدهر.
وإنما ذكر ابن ذي يزن لقول أمية بن أبي الصلت الثقفي حيث يقول:
اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعاً … في رأس غمدان داراً منك محلالاً
وقال الأعشى في هوذة بن علي ، وإن لم يكن هوذة ملكاً:
من ير هوذة يسجد غير متئب … إذا تعمم فوق التاج أو وضعا
له أكاليل بالياقوت فصلها … صواغها لاترى عيباً ولاطبعاً
وقال أبو العباس: وحدثني التّوّزي قال: سمعت أبا عبيدة يقول عن أبي عمرو، قال : لم يتتوج معدي قط، وإنما كانت التيجان لليمن، فسأليه عن هوذة بن علي الحنفي ، إنما خرزات تنظم له.
قال أبو العباس: وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي يدعوه كما كتب إلى الملوك، وكان يجيز لطيمة كسرى في البر بجنبات اليمامة. واللطيمة: الإبل تحمل الطيب والبر. ووفد هوذة بن علي على كسرى بهذا السبب فسأله عن بنيه، فذكر منهم عدداً فقال: أيهم أحب إليك؟ فقال: الصغير حتى يكبر،والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يصح . فقال له كسرى: ماغذاؤك في بلدك؟ فقال: الخبز، فقال كسرى لجلسائه : هذا عقل الخيز، يفضله على عقول أهل البوادي الذين يغتذون اللبن والتمر.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لقد هممت ألا أقبل هدية ويروى : أن لا أتهب هبةً إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي . وروى بعضهم : أو دوسي وذلك أن أعرابياً أهدى إليه هدية فمن بها، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأمصار تفضيلاً على أهل البوادي.
لعبد الله بن محمد بن أبي عيينه
وقال عبد الله بن محمد بن أبي عيينه يعاتب رجلاً من الأشراف:
أتيتك زائراً لقضاء حق … فحال الستر دونك والحجاب
وعندك معشر فيهم أخ لي … كأن إخاءه الآل السراب
ولست بساقط في قدر قوم … وإن كرهوا كما يقع الذباب
ورائي مذهب عن كل ناء … بجانبه إذا عز الذهاب
وقال أيضاً:
كنا ملوكاً إذا كان أولنا … للجود والبأس والعلا خلقوا
كانوا جبالاً عزا يلاذ بها … ورائحاتٍ بالوبل تنبعق
كانوا بهم ترسل السماء على ال … أرض غياثاً ويشرق الأفق
لا يرتق الراتقون إن فتقوا … فتقاً ولا يفتقون مارتقوا
ليسوا كمعزى مطيرةٍ بقيت … فما بها من سحابةٍ لثق
والضعف والجبن عند نائبةٍ … تنوبهم والحذار والفرق
لهذا زمانٌ بالناس منقلبٌ … ظهراً لبطنٍ جديده خلق
الأسد فيه على براثنها … مستأخراتٌ تكاد تمزق
وكان سبب قوله هذا الشعر أن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس كان له صديقاً ، وكان عبد الله بن محمد بن أبي عيينه من رؤساء من اخذ البصرة للمأمون في أيام المخلوع، وكان معاضداً لطاهر بن الحسين في حروبه، وكان إسماعيل بن جعفر جليل القدر، مطاعاً في مواليه وأهله،وكانت الحال بينهما ألطف حال، فوصله ابن أبي عيينه بذي اليمينين فولاه البصرة وولى ابن أبي عيينه اليمامة والبحرين وغوص البحر فلما رجعا إلى البصرة تنكر إسماعيل لابن أبي عيينه، فهاج بينهما من التباعد على مثال ما كان بينهما من المقاربة،ثم عزل ابن أبي عيينه فلم يزل يهجو من أهله من يواصل إسماعيل ، وكان أكبر أهله قدراً في ذلك الوقت يزيد بن المنجاب، وكان أعود قائم العين لم يطاع على علته إلا بشعر ابن أبي عيينه ، وكان منهم. وكان سيد أهل البصرة محمد بن عباد بن حبيب بن الملهب ، ومنهم سعيد بن المهلب بن المغيرة بن حرب بن محمد بن ملهب بن أبي صفرة، وكان قصيراً، وكان ابن عباد احول، فذلك حيث يقول ابن أبي عيينه في هذا الشعر الذي أمليناه:
تستقدم النعجتان والبرق … في زمن سرو أهله الملق