الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

شعر ذي الرمة في بلال

الجزء ١ · صفحة ١٢١

فلو كنت ممتدحاً للنّوال … فتى لامتدحت عليه بلالاً

ولكنّني لست ممّن يريد … بمدح الرّجال الكرام السّؤالا

سيكفي الكريم إخاء الكريم … ويقنع بالود منه نوالا

ومن احسن ما امتدح به ذو الرّمة بلالا، قوله:

تقول عجوزٌ مدرجي متروّحاً … على بيتها من عند أهلي وغاديا

اذو زوجةٍ بالمصر أم ذو خصومةٍ … أراك لها بالبصرة العام ثاويا

فقلت لها: لا عن أهلي لجيرةٌ … لأكثبة الدّهنا جميعاً وماليا

وما كنت مذ أبصرتني في خصومة أرجع فيها يا ابنة الخير قاضيا

ولكنّني أقبلت من جانبي قساٌ … أزور فتى نجداً كريماً يمانيا

من آل أبي موسى عليه مهابةٌ … تفادي أسود الغاب منه تفاديا

مرمّين من ليثٍ عليه مهابة … تفادى أسود الغاب منه تفاديا

وما الخرق منه يرهبون ولا الخنى … عليهم ولكن هيبةٌ هي ماهيا

وقوله مدرجي يقول: مروري، فأما قولهم في المثل : خير من دبّ ومن درج ، فمعناه: منحيي ومن مات ، يريدون: من دب على وجه الأرض ومن درج منها فذهب.

وقوله:أراك لها بالبصرة العام ثاويا، فإنه في هذا المعنى: ثوى الرجل فهو ثاوٍ،يا فتى، إذا أقام، وهي أكثر ، ويقال : أثوى فهو فهو مثوٍ يا فتى، وهي أقل من تلك ، قال الأعشى:

أثوى وقصر ليلةً ليزوّدا … فمضى وأخلف من قتيله موعداً

وقوله:قسا، فهو موضع من بلاد بني تميم. وقوله : لأكثبة الدهنا، فأكثبةٌ جمع كثب، وهو أقل العدد، والكثير كثبانٌ والدّهنا من بلادي بني تميم، ولم أسمع إلا القصر من أهل ا لعلم والعرب، وسمعت بعد من يروي مدّها ولا أعلافه ن قال ذو الرمة:

حنّت إلى نعم الدّهنا فقلت لها … أمي هلالاً على التوفيق والرّشد

يعني هلال بن أحوز المازني، وقال جرير: بازٍ يصعصع بالدّهنا قطاً جونا وقوله: كأنهم الكروان أبصرن بازيا.

فالكروان جماعة كروانٍ، وهو طائر معروف ، وليس هذا الجمع لهذا الاسم بكماله، ولكنه على حذف الزيادة، فالتقدير: كراً وكروانٌ، كما تقول : أخٌ وإخوانٌ وورلٌ وورلانٌ، وبرق وبرقانٌ، والبرق أعجمي ولكنه قد أعرب وجمع كما تجمع العربية، واستعمل الكروان جمعاً على حذف الزيادة، واستعمل في الواحد كذلك، تقول العرب في مثلٍ من أمثالها:

أطرق كرا أطرق كرا … إنّ النّعام في القرى

يريدون الكروان.

وقوله: من آل أبي موسى ترى القوم حوله، فقال: ترى، ولم يقل ترين، وكانت المخاطبة أولاً لامرأة، ألا تراه يقول:

ومما كنت مذ أبصرتني في خصومةٍأراجع فيهالا يا ابنة الخير قاضياً ثم حوّل المخاطبة إلى رجل، والعرب تفعل ذلك، قال الله عز وجل: " حتّى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ " يونس22، فكأن التقدير والله اعلم كان للناس، ثم حولت المخاطبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال عنترة بن شدّاد:

شطّت مزار العاشقين فأصبحت … عسراً عليّ طلابك ابنة مخرم

وقال جرير:

ما للمنازل لا تجيب حزننا … أصممن قدم المدى قبلينا

وترى العواذل يبتدرن ملامتي … وإذا اردن هواك عصينا

قال أولاً لرجل، ثم قال:سوى هوالك.وقال آخر:

فدىً لك والدي وسراة قومي … ومالي إنه منه أتاني

على تحويل المخاطبة: وقوله:مرمّين، يريد سكوتاً مطرقين،بقال: أرم إذا أطرق ساكناً. وقوله:تفادى أسود الغاب معناه تفتدي منه بعضها ببعض. الخبر أن سليمان بن عبد الملك أمر بدفع عيال الحجاج ولحمته إلى يزيد بن المهلب فتفادى منهم ، تأويله: فدى نفسه من ذلك المقام بغيره. وقوله:

وما الخرق منه يرهبون ولا الخنى … عليهم ولكن هيبة هي ماهيا

إذا رفعت هيبة فالمعنى: ولكن أمره هيبةٌ، كما قال الله عز وجل: " لم يلبثوا ولا ساعة من نهار بلغٌ " الأحقاق35 ، أي ذلك بلاغ، ومثله قوله عزّ وجل: " طاعةٌ وقولٌ معروفٌ " محمد21، يكون رفعة على ضربين ، أحدهما أمرنا طاعة وقول معروف، والوجه الآخر طاعةٌ وقولٌ معروف أمثل.ومن نصب هيبة أراد المصدر،أي ولكن يهاب هيبةً.

١٢١ / ٣٣٦