الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لابن الخياط المديني

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

بحرك عذبُ الماءِ ما أعقهُ

مقلوبٌ، إنما هو ما أقعه ربك. يقال: ماء قعاعُ، وماءُ حراقٌ. فالقعاع: الشديد الملوحة، يقول: ما أملحه ربك، والحراقُ: الذي يحرقُ كل شيءٍ بملوحته، والماء العذب يقال له: النفاخُ، وما دون ذلك شيئاً يقال له: المسوسُ. أنشد أبو عبيدة:

لو كنت ماءً كنتَ لا … عذبَ المذاقِ ولا مسوسا

يقال: ماء عذبٌ،وماءُ فراتٌ، وهو أعذب العذبِ، ويقال: ماءُ ملح، ولا يقال: مالحٌ، وسمكٌ مملوحُ ومليحٌ، ولا يقالُ: مالحٌ، وأشدُ الماء ملوحةً الأجاج، قال الفرزدق:

ولو اسقيتهم عسلاً مصفى … بماء النيل أو ماء الفراتِ

لقالوا إنه ملحٌ أجاجٌ … أراد به لنا إحدى الهناتِ

وقوله: ذاك سقى ودقاً فروى ودقهُ يقال فيه قولان: أحدهما: فروى الغيم ودقه هذا القبرَ، يريدُ:من ودقه، فلما حذف حرف الجر عملَ الفعل والآخر كقولك: " رويت زيداً ماءً " ، وروى أكثرُ من أروى، لأن روى لا يكون إلا مرةً بعد مرةٍ، يقول: فروى الله ودقه أي جعله رواءٌ، فأضمر لعلم المخاطبِ، لأن قوله: لاح سحابٌ، إنما معناه: ألاحه الله، فالفاعل كالمذكور، لأن المعنى عليه، ونظيره قوله جل وعزَّ: " إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت دآبةٍ " فاطر: 45 ولم يذكر الأرض. وقال قومٌ: ودقه، يريد ودقةً واحدةً، وهذا رديء في المعنى، ليس بمبالغٍ.

لإسحاق بن إبراهيم الموصلي

قال ابن الموصلي:

لعمري لئن حلئت عن منهلِ الصبا … لقد كنتُ وراداً لمنهله العذبِ

ليالي أمشي بين برديَّ لاهيا … أميس كغصنِ البانةِ الناعمِ الرطبِ

سلامٌ على سير القلاص مع الركب … ووصل الغواني والمدامةِ والشربِ

سلام امرىءٍ لم تبق منه بقيةٌ … سوى نظرِ العينين أو شهوة القلبِ

قوله: والشرب؛ يريد جمع شاربٍ، يقال: شاربُ وشربٌ، وراكبٌ وركبٌ، وتاجرٌ وتجرٌ، وزائرٌ وزورٌ، قال الطرماحُ:

حب بالزور الذي لا يرى … منه إلا صفحةٌ عن لِمامِ

وهذا بابٌ متصل كثيرٌ، قال العجاجُ:

بواسطٍ أكرمُ دارٍ دارا … واللهُ سمى نصرك الأنصارا

يريد أنصارك، فأخرجه على ناصرٍ ونصرٍ.

وقوله: سلام امرىءعلى البدلِ من قوله: " سلامٌ على سيرِ القلاص " وإن شئت نصبت بفعلٍ مضمرٍ، كأنك قلت: اسلمُ سلامَ امرىءٍ، لأنك ذكرت سلاماً أولاً، ومثل ذلك: له صوتٌ صوت حمارٍ، لأنك لما قلتَ: له صوتٌ دللت على أنه يصوتُ، كأنك قلت: يصوتُ صوتَ حمارٍ،وكذلك: " له حنينٌ حنينَ ثكلى " و:

له صريفٌ صريفَ القعوِ بالمسدِ

أي: يصرف صريفاً، فما كان من هذا نكرةً فنصبه على وجهين: على المصدر،وتقديره: يصرف صريفاً مثل صريف جملٍ، وإن شئتَ جعلتهُ حالاً، وتقديره؛ يخرجه في هذه الحال. وما كان معرفةً لم يكن حالاً ولكن على المصدر، فإن كان الأول في غير معنى الفعلِ لم يكن النصبُ البتة ولم يصلح إلا الرفع على البدل، تقول: له رأسٌ رأسُ ثورٍ، وله كفُّ كفُّ أسدٍ، فالمرتفعُ الثاني إذا كان نكرةً كان بدلاً أو نعتاً، وإذا كان معرفةً كان بدلاً ولم يكن نعتاً، لأن النكرة لا تنعت بالمعرفة، وكذلك إذا كان الأول ابتداء لم يجز إلا الرفعُ، لأن الكلام غير مستغن؛ وإنما يجوز الإضمار بعد الاستغناء، تقول: صوته صوتُ الحمار، وغناؤه غناء المجيدي، وكذلك إن خبرت بأمرٍ مستقر فيه اختيرَ الرفع، تقول: له علمٌ علمُ الفقهاء، وله رأيٌ رأيُ القضاة؛ لأنك إنما تمدحه بأن هذا قد استقر له، وليس الأبلغ في مدحه أن تخبر بأنك رأيته في حال تعلم. ويجوز النصب على أنك رأيته في حال تعلم فاستدللت بذلك على علمه، فهذا يصلحُ. والأجود الرفع. فإذا قتل: " له صوتٌ صوتَ حمارٍ " ؛ فإنما خبرت أنه يصوتٌ، فهذا سوى ذلك المعنى.

ومما يختار فيه الرفعُ قولك: عليه نوحٌ نوحُ الحمامِ، وإنما أختير الرفع لأن الهاء في عليه اسم المفعولِ له، والهاءَ في له اسمُ الفاعلِ. ويجوز النصبُ على أنك إذا قلتَ: عليه نوحٌ دل النوحُ على أن معه نائحاً، فكأنك قلت: ينوحون نوح الحمامِ؛ فهذا تفسيرُ جميع هذه الأبواب.

لابن الخياط المديني

وقال ان الخياط المديني، يعني مالكَ بنَ أنسٍ:

١٨٤ / ٣٣٦