في وصف الإبل
الجزء ١ · صفحة ١٨٥يأبى الجواب فما يراجعُ هيبةً … والسائلون نواكسُ الأذقانِ
هدي التقي وعز سلطانِ النهى … فهو العزيزُ وليس ذا سلطانِ
أراد: له هديُ التقيِّ، أو معه هيُ التقيِّ.
باب
قال أبو العباس: نذكر في هذا الباب من كل شيءٍ، ليكون فيه استراحةٌ للقارىء، وانتقالٌ ينفي الملل، لحسن موقع الاستطراف، ونخلط ما فيه من الجدّ بشيء يسيرٍ من الهزل، ليستريح إليه القلب، وتسكن إليه النفس.
نبذ من الأقوال الحكيمة
قال أبو الدّرداء رحمه الله: إني لأستجمُّ نفسي بشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحقِّ.
وقال عليُّ بن أبي طالب رحمه الله: القلب إذا أكره عمي.
وقال ابن مسعود رحمه الله: القلوب تملُّ كما تملُّ الأبدان فابتغوا لها ططرائف الحكمة.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: العلم أكثر من أن يؤتى على آخره، فخذوا من كل شيءٍ أحسنه.
وليس هذا الحديث من الباب الذي ذكرنا، ولكن نذكر الشيء بالشيء، إمَّا لاجتماعهما في لفظٍ، وإمَّ لاشتراكهما في معنى.
وقال الحسن - وليس من هذا الباب - : حادثوا هذه القلوب، فإنها سريعة الدُّثور، واقدعوا هذه الأنفس، فإنها طلعةٌ، وإنكم إلاّ تنزعوها تنزع بكم إلى شرّ غاية. وقد مضى تفسير هذا الكلام.
وقال أردشير بن بابك: إن للآذان مجَّةً، وللقلوب مللاً، ففرّقوا بين الحكمتين يسكن ذلك استجماماً.
وكان أنوشروان يقول: القلوب تحتاج إلى أقواتها من الحكمة كاحتياج الأبدان إلى أقواتها من الغذاء.
ويروى أنه أصيب في حكمة آل داود: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من واحدة من أربع: من عدّةٍ لمعادٍ، أو إصلاح لمعاش، أو فكرٍ يقف به على ما يصلحه مما يفسده، أو لذّةٍ في غير محرّمٍ يستعين بها على الحالات الثلاث.
وقال عبد الله بن عمر بن عبد العزيز لأبيه يوماً: يا أبة، إنك تنام نوم القائلة، وذو الحاجة على بابك غير نائمٍ؟ فقال له: يا بنيَّ، إنّ نفسي مطيّتي، فإن حملت عليها في التعب حسرتها.
تأويل قوله: " حسرتها " : بلغت بها أقصى غاية الإعياء، قال الله جلَّ وعزَّ: " ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسيرٌ " الملك: 4 . وأنشد أبو عبيدة:
أنّ العسير بها داءٌ مخامرها … فشطرها نظر العينين محسور
قوله: " فشطرها " يريد قصدها ونحوها، قال الله جلَّ وعزَّ: " فولّ وجهك شطر المسجد الحرام " البقرة: 144 و قال الشاعر:
لهنَّ الوجالم كنَّ عوناً على النَّوى … ولا زال منها ظالعٌ وحسير
يعني الإبل، يقول: هي المفرِّقة، كما قال الآخر:
ما فرَّق الألاّف بع … د الله إلاّ الإبل
ولا صاح غرا … بٌ في الديار احتملوا
وما غراب البين … إلاّ ناقة أو جمل
قال أبو الحسن: وزادني فيه غير أبي العباس:
والناس يلحون غرا … ب البين لمَّا جهلوا
والبائس المسكين ما … يطوى عليه الرِّحل
ويقال: إنه لأبي الشّيص .
فمن قال: " آلفٌ " للواحد قال للجميع " ألاّفٌ " كعمل وعمّالٍ، وشاربٍ وشرَّابٍ، وجاهلٍ وجهَّالٍ. ومن قال للواحد: إلفٌ، قال للجميع: آلافٌ، وتقديره: عدلٌ وأعدالٌ، وحملٌ وأحمالٌ. وثقلٌ وأثقالٌ.
في وصف الإبل
قد أنصف الإبل الذي يقول:
ألا فرعى الله الرَّواحل إنما … مطايا قلوب العاشقين الرَّواحل
على أنهنَّ الواصلات عرى النَّوى … إذا ما نأى بالآبقين التَّواصل
وقال الآخر:
أقول والهوجاء تمشي والفضل … قطعت الأحداج أعناق الإبل
الهوجاء: التي تجدُّ في السَّير وتركب رأسها، كأنَّ بها هوجاً، كما قال:
لله درّ اليعملات الهوج
وكما قال الأعشى:
وفيها إذا ما هجَّرت عجرفيَّةٌ … إذا خلت حرباء الوديقة أصيدا