الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

للأعشى يمدح هودة بن علي

الجزء ١ · صفحة ١٩٦

وللحارث بن وعلة يقول الأعشى - وكان قصده فلم يحمده، فعرج عنه إلى هوذة بن علي ذي التاج. وهوذة من بني حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، والحارث بن وعلة من بني رقاش، وهي امرأة، وأبوهم مالك بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، فقال الأعشى يذكر الحارث بن وعلة وهوذة بن علي:

أتيت حريثاً زائراً عن جنابة … فكان حريث عن عطائي جامدا

إذا ما رأى ذا حاجة فكأنما … يرى أسداً في بيته وأساودا

لعمرك ما أشبهت وعلة في الندى … شمائله ولا أباه مجالدا

وإن امرأ قد زرته قبل هذه … بجو لخير منك نفساً ووالدا

تضيفته يوماً فقرب مجلسي … وأصفدني على الزمانة قائدا

وأمتعني على العشا بوليدة … فأبت بخير منك يا هوذ حامدا

يرى جمع ما دون الثلاثين قصرة … ويعدو على جمع الثلاثين واحدا

وهي كلمة.

قوله: " أتيت حريثاً " يريد الحارث، تصغيره على لفظه : حويرث.

وهذا التصغير الآخر يقال له تصغير الترخيم، وهو أن تحذف الزوائد من الاسم ثم تصغر حروفه الأصلية، فتقول في تصغير أحمد: حميد لأنه من الحمد، وفي الحارث: حريث، لأنه من الحرث، وفي غضبان: غضيب، لأنه من الغضب، لأن الألف والنون زائدتان. وكذلك ذوات الأربعة، تقول في تصغير قنديل على لفظه قنيديل، فإن صغرته مرخماً حذفت الياء فقلت: قنيدل، فعلى هذا مجرى الباب.

وقوله: عن جنابة، يقول: عن غربة وبعد. يقال: هم نغم الحي لجارهم جار الجنابة، أي الغربة. يقال: رجل جنب، ورجل جانب، أي غريب، قال الله جل وعز: " والجار ذي القربى الجار الجنب والصاحب بالجنب " " النساء: 36 " . وقال الحطيئة:

والله ما مغشر لاموا امرأ جنباً … في آل لأي بن شماس بأكياس

وقال علقمة بن عبدة:

فلا تحرمني نائلاً عن جنابة … فإني امرؤ وسط القباب غريب

فمن قال للواحد: جنب قال للجميع: أجناب، كقولك: عنق وأعناق، وطنب وأطناب، ومن قال للواحد: جانب، قال للجميع: جناب، كقوله: راكب وركاب، وضارب وضراب. قالت الخنساء:

إبكي أخالك لأيتام وأرملة … وابكي أخاك إذا جاورت أجنابا

وإن كان من الجنابة التي تصيب الرجل قلت: رجل جنب، ورجلان جنب وكذلك المرأة والجميع، وقد يجوز، وليس بالوجه، رجلان جنبان، وامرأة جنبة، وقوم أجناب.

وقوله: يرى أسداً في بيته وأساودا يريد جمع أسود سالخ، وأسود ههنا نعت، ولكنه غالب، فلذلك جرى ههنا مجرى الأسماء، لأنه يدل على الحية، وأفعل، إذا كان نعتاً بنفسه فجمعه: فغل، نحو: أحمر وحمر، وأسود وسود، وإذا كان نعتاً فأجري مجرى الأسماء فجمعه: أفاعل نحو أساود، وأجادل، وأداهم، إذا أردت القيد، لأنه نعت غالب يجري مجرى الأسماء، وإن أردت أدهم - الذي هو نعت محض - قلت: دهم، قال الأشهب بن رميلة:

أسود شرى لاقت أسود خفية … تساقوا على حرد دماء الأساود

فأجراه مجرى الأسماء، نحو: الأصاغر، والأكابر، والأحامد.

وقوله:

لعمرك ما أشبتهت وعلة في الندى … شمائله .....................

فإنه جعل: شمائله، بدلاً من وعلة، والتقدير: ما أشبهت شمائل وعلة.

والبدل على أربعة أضرب: فواحد منها أن يبدل أحد الاسمين من الآخر إذا رجعا إلى واحد، ولا تبالي أمعرفتين كانا أم معرفة ونكرة، وتقول: مررت بأخيك زيد، لأن زيداً رأسه. لما قلت: ضربت زيداً، أردت أن تبين موضع الضرب منه.

فمثل الأول قول الله تبارك وتعالى: " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم " " الفاتحة: 6 - 7 " ، وقوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله " " الشورى: 52 - 53 " ، " ولنسفعاً بالناصية ناصية كاذبة خاطئة " " العلق: 15 - 16 " .

ومثل البدل الثاني قوله: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " " آل عمران: 97 " .

من، في موضع خفض، لأنها بدل من الناس، ومثله، إلا أنه أعيد حرف الخفض: " قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن ءامن منهم " " الأعراف: 75 " .

١٩٦ / ٣٣٦