الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

للأعشى يمدح هودة بن علي

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

وحدثني علي بن القاسم قال: حدثني أبو قلابة الجزمي قال: حججنا مرة مع أبي جزء بن عمرو بن سعيد، قال: وكنا في ذراه ، وهو إذ ذاك بهي وضي، فجلسنا في المسجد الحرام إلى أقوام من بني الحارث بن كعب، لم نر أفصح منهم، فرأوا هيئة أبي جزء وإعظامنا إياه مع جماله، فقال قائل منهم له: أمن أهل بيت الخليفة أنت؟ قال: لا، ولكن رجل من العرب، قال: ممن الرجل؟ قال. رجل من مضر، قال: أعرض ثوب الملبس! من أيها عافاك الله؟ قال: رجل من قيس، قال أين يراد بك، صر إلى فصيلتك التي تؤويك! قال: رجل م بني سعد بن قيس، قال. اللهم غفراً! من أيها عافاك الله؟ قال: رجل من بني يعصر، قال: من أيها؟ قال: رجل من باهلة، قال: قم عنا! قال أبو قلابة: فأقبلت على الحارثي فقلت: أتعرف هذا؟ قال: هذا، ذكر أنه باهلي، قال : فقلت: هذا أمير ابن أمير ابن أمير … قال: حتى عددت خمسة.

هذا أبو جزء أمير، بن عمرو - وكان أميراً - بن سعيد - وكان أميراً - بن سليم - وكان أميراً - بن قتيبة - وكان أميراً.

فقال الحارثي: الأمير أعظم أم الخليفة؟ فقلت: بل الخليفة. قال: أفالخليفة أعظم أم النبي؟ قلت: بل النبي. قال: والله لو عددت له في النبوة أضعاف ما عددت في الإمرة ثم كان باهلياً ما عبأ الله به شيئاً. قال: فكادت نفس أبي جزء تفيض ، فقلت له : انهض بنا، فإن هؤلاء أسوأ الناس أدباً .

قال أبو الحسن: يقال للرجل إذا سئل عن شيء فأجاب عن غيره أعرض ثوب الملبس أي أبدي غير ما يراد منه.

وحدثت أن أعرابياً لقي رجلاً من الحجاج. فقال له: ممن الرجل؟ قال: باهلي. قال: أعيذك بالله من ذلك. قال: أي والله، وأنا مع ذلك مولى لهم.

فأقبل الأعرابي يقبل يديه ويتمسح به، قال له الرجل: ولم تفعل ذاك؟ قال: لأني أثق بأن الله عز وجل لم يبتلك بهذا في الدنيا إلا وأنت من أهل الجنة.

في مجلس قتيبة بن مسلم الباهلي

ويزعم الرواة : أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند أفضى إلى أثاث لم ير مله، وغلى آلات لم ير مثلها ، فأراد أن يري الناس عظيم ما فتح الله عليه، ويعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدار ففرشت، وفي صحنها قدور ترتقي بالسلالم، فإذا بالحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي قد أقبل. والناس جلوس على مراتبهم، والحضين شيخ كبير. فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لقتيبة: ائذن لي في معاتبته. قال: لا ترده فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلا أن يأذن له - وكان عبد الله يضعف، وكان قد تسور حائطاً إلى امرأة قبل ذاك - فأقبل على الحضين بن المنذر فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسن عمك عن تسور الحيطان، قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من ألا ترى. قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها! قال: أجل، ولا عيلان، لو كان رآها سمي شعبان، ولم يسم عيلان، قال له عبد الله: يا أبا ساسان، أتعرف الذي يقول:

عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل … تجر خصاها تبتغي من تحالف

قال: أعرفه، وأعرف الذي يقول:

خيبة من يخيب على غني … وباهلة بن يعصر والركاب

يريد يا خيبة من يخيب. قال. أفتعرف الذي يقول:

كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع … إذا عرقت أفواه بكر بن وائل

قال: نعم . وأعرف الذي يقول:

قوم قتيبة أمهم وأبوهم … لولا قتيبة أصبحوا في مجهل

قال: أما الشعر فأراك ترويه. فهل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال أقرأ منه الكثر الأطيب: " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا " " الإنسان: 1 " قال : فأغضبه. فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى من غيره. قال: فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى. ثم قال على رسله: وما يكون! تلد غلاماً على فراشي فيقال: فلان بن الحضين، كما يقال: عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله فقال: لا يبعد الله غيرك.

قال أبو العباس : الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة. وكان الحضين بيده لواء علي بن أبي طالب رحمه الله على ربيعة، وله يقول القائل:

لمن راية سوداء يخفق ظلها … إذا قيل قدمها حضين تقدما

للأعشى يمدح هودة بن علي

١٩٥ / ٣٣٦