الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من تشبيهات المحدثين

الجزء ١ · صفحة ٢٠٣

ولا نسيت حمياها ولذتها … ولا عدلت بها مالاً ولا ولدا

ثم نرجع إلى التشبيه، وربما عرض الشيء المقصود غيره، فيذكر للفائدة تقع فيه، ثم يعاد إلى أصل الباب.

قال أبو العباس: وقال عروة بن حزام العذري:

كأن قطاة علقت بجناحها … على كبدي من شدة الخفقان

ويقال: إن المرأة إذا كانت مبغضة لزوجها، فآية ذلك أن تكون عند قربه منها مرتدة النظر عنه كأنما تنظر إلى إنسان وراء ، وإذا كانت محبة له لا تقلع عن النظر إليه، وإذا نهض نظرت من ورائه إلى شخصه حتى يزول عنها، فقال رجل: أردت أن أعلم كيف حالي عند امرأتي، فالتفت وقد نهضت من بين يديها فإذا هي تكلح في قفاي.

وقال الفرزدق في هذا المعنى، والنوار تخاصمه عند عبد الله بن الزبير بن العوام:

فدونكها يا ابن الزبير فإنها … مولعة يوهي الحجارة قيلها

إذا جلست عند الإمام كأنما … ترى رفقة من خلفها تستحيلها

قوله: مولعة. يقول: كأنها مولعة بالنظر مرة ههنا ومرة ههنا. وقوله: ترى رفقة يقال: رفقة ورفقة. ومعنى تستحيلها: تتبين حالاتها.

قال حميد بن ثور:

إذا خرجت تستحيل الشخوص … من الخوف تسمع ما لا ترى

ومن عجيب التشبيه قول جرير فيما يكنى ذكره:

ترى الصبيان عاكفة عليها … كعنفقة الفرزدق حين شابا

ويقال: إن الفرزدق حين أنشد النصف الأول ضرب بيده إلى عنفقته توقعا لعجز البيت.

ومن التشبيه الحسن قول جرير في صفة الخيل:

يشتفن للنظر البعيد كأنما … إرنانها ببوائن الأشطان

قوله: يشتفن ويتشوفن في معنى واحد. وقوله: كأنما إرنانها ببوائن الأشطان، أراد شدة صهيلها. يقول: كأنما يصهلن في آبار واسعة تبين أشطانها عن نواحيها.

ونظر ذلك قول النابغة الجعدي:

ويصهل في مثل جوف الطوي … صهيلاً يبين للمغرب

المغرب: العالم بالخيل العراب.

ومن حشن التشبيه قول عنترة:

غادرن نضلة في معرك … يجر الأسنة كالمحتطب

يقول: طعن وغودرت الرماح فيه، فظل يجرها، كأنه حامل حطب.

ومن التشبيه المتجاوز المفرط، قول الخنساء:

وإن صخراً لتأتم الهداة به … كأنه علم في رأسه نار

فجعلت المهتدي يأتم به، وجعلته كنار في رأس علم، والعلم: الجبل، قال جرير:

إذا قطعن علماً بدا علم

وقال الله جل ثناؤه: " وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام " " الرحمن: 24 " ومن هذا الضرب من التشبيه قول العجاج:

تقضي البازي إذا البازي كسر

والتقضي: الإنقاض، وإنما أراد سرعتها، والعرب تبدل كثيراً الياء من أحد التضعيفين، فيقولون: تظنيت والأصل: تظننت، لأنه تفعلت من الظن، وكذلك: تقضيت؛ من الإنقضاض، أي تقضضت، وكذلك تسريت، ومثل هذا كثير.

من تشبيهات المحدثين

ومن تشبيه المحدثين المستطرف قول بشار:

كأن فؤاده كرة تنزى … حذار البين إن نفع الحذار

يروعه السرار بكل أمر … مخافة أن يكون به السرار

وفي هذه القصيدة:

جفت عيني عن التغميض حتى … كأن جفونها عنها قصار

أقول وليلتي تزداد طولاً … أما لليل بعدهم نهار

وقال الحسن بن هانئ في صفة الخمر:

فإذا ما لمستها فهباء … يمنع اللمس ما يبيح العأن يكونا

في كؤوس كأنهن نجوم … جاريات، بروجها أيدينا

طالعات مع السقاة علينا … فإذا ما غربن يغربن فينا

فهذه قطعة من التشبيه غاية، على سخف كلام المحدثين.

وقال الحنفي: وهو إسحاق بن خلف في صفة السيف:

ألقى بجانب خصره … أمضى من الأجل المتاح

وكأنما در الهبا … ء عليه أنفاس الرياح

وقال دعبل بن علي في صفة المصلوب :

لم أر صفاً مثل صف الزط … تسعين منهم صلبوا في خط

من كل عال جذعه بالشط … كأن في جذعه المشتط

أخو نعاس جد في التمطي … قد خامر النوم ولم يغط

وقال يزيد المهلبي في مثله :

قام ولما يستعن بساقه … آلف مثواه على فراقه

كأنما يضحك في أشداقه

٢٠٣ / ٣٣٦