لجرير في بني مجاشع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦مستقبلين شمال الشأم تضربنا … بحاصب كنديف القطن منثور
وهي تقابل الجنوب، وكذلك قال امرؤ القيس:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها … لما نسجتها من جنوب وشمأل
وإذا جاءت من دبر البيت الحرام فهي الدبور، وهي تهب بشدة، والعرب تسميها محوة، عن أبي زيد، لأنها تمحو السحاب. ومحوة معرفة لا تنصرف، فأما الأصمعي فزعم أن محوة من أسماء الشمال. وأنشدا جميعاً:
قد بكرت محوة بالعجاج … فدمرت بقية الرجاج
الرجاج: حاشية الإبل وضعافها. وقال الأعشى:
لها زجل كحفيف الحصا … د صادف بالليل ريحاً دبورا
ولهذه الرياح أسماء كثيرة، وأحكام في العربية، لأن بعضهم يجعلها نعوتاً، وبعضهم يجعلها أسماء، وكذلك مصادرها تحتاج إلى الشرح والتفسير، ونحن ذاكرون ذلك في عقب هذا الباب، إن شاء الله.
يقال: جنبت الريح جنوباً، وشملت شمولاً، ودبرت دبوراً، وصبت صبواً، وسمت سموماً، وحرت حروراً، مضمومات الأوائل.
فإذا أردت الأسماء فتحت أوائلها، فقلت: جنوب، وشمول، وسموم، ودبور، وحرور.
ولم يأت من المصادر شيء مفتوح الأول، إلا أشياء يسيرة، قالوا: توضأت وضوءاً حسناً، وتطهرت طهوراً، وأولعت بالشيء ولوعاً، وإن عليه لقبولا، ووقدت النار وقوداً، وأكثرهم يجعل الوقود الحطب، والوقود المصدر.
ويقال: الشمال، على لغات ست، يقال: شمال، وشمأل، وشمال، وشمل وشمل، وشامل، غير مهموز.
ويقال للشمال: الجربياء، قال ابن أحمر:
بجو م قساً ذفر الخزامى … تداعى الجربياء به الحنينا
ويقال للجنوب: الأزيب.
ويقال للصبا: القبول، وبعضهم يجعله للجنوب، وهو في الصبا أشهر، بل هو القول الصحيح. والإير، والهير، والأير، والهير، قال الشاعر:
مطاعيم أيسار إلى الهير هبت
فهذا يدل على أنه الصبا، وذاك أنهم إنما يتمدحون بالإطعام في المشتاة . وشدة الزمان، كما قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى … لا ترى الآدب فينا ينتفر
الجفلى: العامة، والنقرى: الخاصة، والآدب: صاحبة المأدبة. يقال: مأدبة ومأدبة للدعوة. وفي الحديث: " إن القرآن مأدبة الله " .
قال أهل العلم: معناه مدعاة الله، وليس من الأدب. وأكثر المفسرين قالوا القول الأول، وكلاهما في العربية جائز ويدل على القول الأول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا الجفنة الغراء " ، أي التي يجتمع الناس عليها ويدعون إليه، ويقال في الدعوة: أدبه يأدبه أدباً، إذا دعاه، قال الشاعر:
وما أصبح الضحاك إلا كخالع … عصانا فأرسلنا المنية تأدبه
وقولنا في الرياح: إنها تكو أسماء ونعوتاً نفسره إن شاء الله.
يقول أكثر العرب: هذه ريح جنوب، وريح شمال، وريح دبور، فتجعل جنوباً، وشمالاً، ودبوراً، وسائر الرياح نعوتاً. قال الأعشى:
لها زجل كحفيف الحصا … د صادف بالليل ريحاً دبورا
وقال زهير:
مكلل بأصول النبت تنسجه … ريح شمال لضاحي مائه حبك
وقال جرير:
ريح خريق شمال أو يمانية
فهذا يكون على النعت أجود، لأنه أوضحه بيمانية، ولا تكون اليمانية إلا نعتاً، لأنها منسوبة؛ فأما الخريق فهي الشديدة من كل ريح، قال حميد بن ثور:
بمثوى حرام والمطي كأنه … قناً مسند هبت لهن خريق
والبليل: الباردة من كل ريح . وأصل ذلك الشمال.
لجرير في بني مجاشع
قل جرير يعير بني مجاشع لخذلانهم الزبير بن العوام، في كلمة يقول فيها:
إني تذكرني الزبير حمامة … تدعو بأعلى الأيكتين هديلا
يا لهف نفسي إذ يغرك حبلهم … هلا اتخذت على القيون كفيلا
قالت قريش ما أذل مجاشعاً … جاراً وأكرم ذا القتيل قتيلا!
أفبعد مترككم خليل محمد … ترجو القيون مع الرسول سبيلا!
أفتى الندى وفتى الطعان غررتم … وأخا الشمال إذا تهت بليلا