من أخبار أبي الهندي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢أقارع عوف لا أحاول غيرها … وجوه قرود تبتغي من تجادع
وقال عروة بن الورد العبسي:
سقوني الخمر ثم تكنفوني … عداة الله من كذب وزور
والعرب تنشد قول حاتم الطائي رفعاً ونصباً:
إن كنت كارهة معيشتنا … هاتا فحلي في بني بدر
الضربين، لدى أعنتهم … والطاعنين وخيلهم تجري
وإنما خفضوهما على النعت، وربما رفعوهما على القطع والابتداء.
وكذلك قول الخرنق بنت هفان القيسي، من بني قيس بن ثعلب:
لا يبعدن قومي الذين هم … سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك … والطيبين معاقد الأزر
وكل ما كان من هذا فعلى هذا الوجه .
وإن لم يرد مدحاً ولا ذماً قد استقر له فوجهه النعت. وقرأ بعض القراء: " فتبارك الله أحسن الخالقين " " المؤمنون: 14 " .
وأكثر ما تنشد العرب بيت ذي الرمة نصباً، لأنه لما ذكر ما يحن إليه ويصبو إلى قربه أشاد بذكر ما قد كان يبغي، فقال:
ديار مية إذ مي تساعفنا … ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
وفي هذه القصيدة من التشبيه المصيب قوله:
بيضاء في دعج، صفراء في نعج … كأنها فضة قد مسها ذهب
وفيها من التشبيه المصيب قوله :
تشكو الخشاش ومجرى النسعتين كما … أن المريض إلى عاده الوصب
والخشاش : ما كان في عظم الأنف، وما كان في المارن فهو برة، يقال: أبريت الناقة، فهي مبراة، قال الشماخ - وهذا من التشبيه العجيب:
فقربت مبراة تخال ضلوعها … من الماسخيات القسي المؤطرا
وماسخة، من نصر بن الأزد، وإليهم تنسب القسي الماسخية. وأحسن ما قيل في صفة الضلوع واشتباكها قول الراعي:
وكأنما انتطحت على أثباجها … فدر بشابة قد يممن وعولا
الفادر: المسن من الوعل.
وذو الرمة أخذ ذلك من المثقب العبدي، قال المثقب :
إذا ما قمت أرحلها بليل … تأوه آهة الرجل الحزين
ومن التشبيه المستحسن قول علقمة بن عبدة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف … مفدم بسبا الكتان ملثوم
فهذا حسن جداً.
وقال أبو الهندي، وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي الرياحي، من بني رياح بن يربوع. وكان شبث سيد بني يربوع بالكوفة:
مفدمة قزا كأن رقابها … رقاب بنات الماء أفزعها الرعد
من أخبار أبي الهندي
وكان أبو الهندي قد غلب عليه الشراب، على كرم منصبه، وشرف أسرته حتى كاد يبطله.
وكان عجيب الجواب، فجلس إليه رجل مرة يعرف ببرزين المناقير، وكان أبوه صلب في خرابة، والخرابة عندهم: سوق الإبل خاصة. فأقبل يعرض لأبي الهندي بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى الذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في أست أبيه.
وفي الخرابة يقول الراجز:
والخارب اللص يحب الخاربا … وتلك قربى مثل أن تناسبا
أن تشبه الضارئب الضرائبا
وقال الآخر:
إيت الطريق واجتنب أرماما … إن بها أكتل أو رزاما
خويربين ينقفان الهاما
زاد أبو الحسن:
لم يتركا لمسلم طعاما
نصب خويربين على أعني لا يكون غير ذلك، لأنه إنما أثبت أحدهما بقوله: أو.
ومر نصر بن سيار الليثي بأبي الهندي وهو يميل سكراً، فقال له: أفسدت شرفك! فقال أبو الهندي: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان.
وحج به نصر بن سيار مرة، فلما ورد الحرم قال له نصر: إنك بفناء بيت الله ومحل حرمه ، فدع لي الشراب حتى ينفر الناس، واحتكم علي، ففعل. فلما كان يوم النفر أخذ الشراب فوضعه بين يديه، وأقبل يشرب ويبكي، ويقول:
رضي مدام فارق الراح روحه … فظل عليها مستهل المدامع
أديرا علي الكأس إني فقدتها … كما فقد المفطوم در المراضع
وكان يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني، وكان أبو الوليد ناسكاً فاستعدى عليه وعلى ابنه، فهربا منه، فهربا منه، وقال أبو الهندي:
قل للسري أبي قيس: أتوعدنا … ودارنا أصبحت من داركم صددا
أبا الوليد أما والله لو عملت … فيك الشمول لما حرمتها أبدا