الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

باب في التشبيه

الجزء ١ · صفحة ٢٠٠

وقوله: على تمام ظمء فهذا مثل، وأصل الظمء: أن تشرب الإبل يوماً ثم تغب يوماً لا ترد الماء، فما بين الشربتين ظمء، فيكون الظمء يومين، فيقال له: الربع، كما يقال في الحمى، لأنهم يعتدون بيومي شربها. والخمس: أن تظمأ ثلاثة أيام، والنضح: الحوض.

والأثام: الهلاك، قال الله عز ذكره: " ومن يفعل ذلك يلق أثاماً " " الفرقان: 68 " ، ثم فسر فقال: " يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا " " الفرقان: 69 " . فجزم " يضاعف " لأنه بدل من قوله: " يلق أثاما " إذا كان إياه في المعنى، وأنشدني أبو عبيدة:

جزى الله آبن عروة إذ لحقنا … عقوقاً والعقوق من الأثام

وقوله: على مطمح الكف يقول: على رفعها وإبعادها، يقال: طمح بصره، إذا ارتفع فأبعد النظر، قال امروء القيس:

لقد طمح الطماح من بعد أرضه … ليلبسني من دائه ما تلبسا

باب في التشبيه

قال أبو العباس: وهذا باب طريف نصل به هذا الباب الجامع الذي ذكرناه أي بيت واحد، من تشبيه شيء في حالتين مختلفتين بشيئين مختلفين، وهو قوله:

كأن قلوب الطير رطباً ويابساً … لدى وكرها العناب والحشف البالي

فهذا مفهوم المعنى، فإن اعترض معترض فقال: فهلا فصل فقال: كأنه رطباً العناب وكأنه يابساً الحشف! قيل له: العربي الفصيح الفطن اللقن يرمي بالقول مفهوماً، ويرى ما بعد ذلك من التكرير عيا، قال الله جل وعز، وله المثل الأعلى: " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " " القصص: 73 " ، علماً بأن المخاطبين يعلمون وقت السكون ووقت الاكتساب.

ومن تمثيل امرئ القيس العجيب قوله:

كأن عيون الوحش حول خبائنا … وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب

ومن ذلك قوله:

إذا ما الثريا في السماء تعرضت … تعرض أثناء الوشاح المفصل

وقد أكثروا في الثريا فلم يأتوا بمن يقارب هذا المعنى. ولا بما يقارب سهولة هذه الألفاظ.

ومن أعجب التشبيه قول النابغة:

فإنك كالليل الذي هو مدركي … وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

وقوله:

خطاطيف جحن في حبال متينة … تمد بها أيد إليك نوازع

وقوله:

فإنك شمس والملوك كواكب … إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

ومن عجيب التشبيه قول ذي الرمة:

وردت اعتسافاً والثريا كأنها … على قمة الرأس ابن ماء محلق

وقوله:

فجاءت بنسج العنكبوت كأنه … على عصويها سابري مشبرق

وتأويله أنه يصف ماء قديماً لا عهد له بالوراد ، فقد اصفر واسود فقال:

وماء قديم العهد بالناس آجن … كأن الدبا ماء الغضا فيه تبصق

وقد أجاد علقمة بن عبدة الفحل في وصف الماء الآجن. حيث يقول:

إذا وردت ماء كأن جمامه … من الأجن حناء معاً وصبيب

فقال ذو الرمة في وصف هذا الماء، فقرن بتغيره بعد مطلبه، فقال:

فأدلى غلامي دلوه يبتغي بها … شفاء الصدى والليل أدهم أبلق

يريد الفجر قد يجم فيه. فجاءت - يعني الدلو - بنسج العنكبوت، كأنه على عصويها سابري مشبرق. والسابري: الرقيق من الثياب والدروع والمشبرق: الممزق. وأنشد أبو زيد:

لهونا بسربال الشباب ملاوة … فأصبح سربال الشباب شبارقا

ومن التشبيه العجيب قول ذي الرمة في صفة الظليم:

شخت الجزارة مثل البيت سائره … من المسوح خدب شوقب خشب

الشخت: الضئيل اليابس الضعيف. والجزارة القوام. وقوله: مثل البيت سائره من المسح: يعني إذا مد جناحيه. وإنما أخذه من قول علقمة بن عبدة:

صعل كأن جناحيه وجؤجؤه … بيت أطافت به خرقاء مهجوم

الصعل: الصغير الرأس. الخرقاء: التي لا تحسن شيئاً، فهي تفسد ما عرضت له. قال الحطيئة:

هم صنعوا لجارهم وليست … يد الخرقاء مثل يد الصناع

والمهجوم: المهدوم. وفي الخبر أنه لما قتل بسطام بن قيس لم يبق بيت في بكر بن وائل إلا هجم، أي هدم. والخدب: الضخم. والشوقب الطويل. والخشب: الذي ليس بلين على من نزل به.

ومن التشبيه المصيب قوله في صفة روضة:

قرحاء حواء أشراطية وكفت … فيها الذهاب وحفتها البراعيم

٢٠٠ / ٣٣٦