باب في التشبيه
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠وقوله: على تمام ظمء فهذا مثل، وأصل الظمء: أن تشرب الإبل يوماً ثم تغب يوماً لا ترد الماء، فما بين الشربتين ظمء، فيكون الظمء يومين، فيقال له: الربع، كما يقال في الحمى، لأنهم يعتدون بيومي شربها. والخمس: أن تظمأ ثلاثة أيام، والنضح: الحوض.
والأثام: الهلاك، قال الله عز ذكره: " ومن يفعل ذلك يلق أثاماً " " الفرقان: 68 " ، ثم فسر فقال: " يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا " " الفرقان: 69 " . فجزم " يضاعف " لأنه بدل من قوله: " يلق أثاما " إذا كان إياه في المعنى، وأنشدني أبو عبيدة:
جزى الله آبن عروة إذ لحقنا … عقوقاً والعقوق من الأثام
وقوله: على مطمح الكف يقول: على رفعها وإبعادها، يقال: طمح بصره، إذا ارتفع فأبعد النظر، قال امروء القيس:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه … ليلبسني من دائه ما تلبسا
باب في التشبيه
قال أبو العباس: وهذا باب طريف نصل به هذا الباب الجامع الذي ذكرناه أي بيت واحد، من تشبيه شيء في حالتين مختلفتين بشيئين مختلفين، وهو قوله:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً … لدى وكرها العناب والحشف البالي
فهذا مفهوم المعنى، فإن اعترض معترض فقال: فهلا فصل فقال: كأنه رطباً العناب وكأنه يابساً الحشف! قيل له: العربي الفصيح الفطن اللقن يرمي بالقول مفهوماً، ويرى ما بعد ذلك من التكرير عيا، قال الله جل وعز، وله المثل الأعلى: " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " " القصص: 73 " ، علماً بأن المخاطبين يعلمون وقت السكون ووقت الاكتساب.
ومن تمثيل امرئ القيس العجيب قوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا … وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
ومن ذلك قوله:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت … تعرض أثناء الوشاح المفصل
وقد أكثروا في الثريا فلم يأتوا بمن يقارب هذا المعنى. ولا بما يقارب سهولة هذه الألفاظ.
ومن أعجب التشبيه قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي … وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقوله:
خطاطيف جحن في حبال متينة … تمد بها أيد إليك نوازع
وقوله:
فإنك شمس والملوك كواكب … إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ومن عجيب التشبيه قول ذي الرمة:
وردت اعتسافاً والثريا كأنها … على قمة الرأس ابن ماء محلق
وقوله:
فجاءت بنسج العنكبوت كأنه … على عصويها سابري مشبرق
وتأويله أنه يصف ماء قديماً لا عهد له بالوراد ، فقد اصفر واسود فقال:
وماء قديم العهد بالناس آجن … كأن الدبا ماء الغضا فيه تبصق
وقد أجاد علقمة بن عبدة الفحل في وصف الماء الآجن. حيث يقول:
إذا وردت ماء كأن جمامه … من الأجن حناء معاً وصبيب
فقال ذو الرمة في وصف هذا الماء، فقرن بتغيره بعد مطلبه، فقال:
فأدلى غلامي دلوه يبتغي بها … شفاء الصدى والليل أدهم أبلق
يريد الفجر قد يجم فيه. فجاءت - يعني الدلو - بنسج العنكبوت، كأنه على عصويها سابري مشبرق. والسابري: الرقيق من الثياب والدروع والمشبرق: الممزق. وأنشد أبو زيد:
لهونا بسربال الشباب ملاوة … فأصبح سربال الشباب شبارقا
ومن التشبيه العجيب قول ذي الرمة في صفة الظليم:
شخت الجزارة مثل البيت سائره … من المسوح خدب شوقب خشب
الشخت: الضئيل اليابس الضعيف. والجزارة القوام. وقوله: مثل البيت سائره من المسح: يعني إذا مد جناحيه. وإنما أخذه من قول علقمة بن عبدة:
صعل كأن جناحيه وجؤجؤه … بيت أطافت به خرقاء مهجوم
الصعل: الصغير الرأس. الخرقاء: التي لا تحسن شيئاً، فهي تفسد ما عرضت له. قال الحطيئة:
هم صنعوا لجارهم وليست … يد الخرقاء مثل يد الصناع
والمهجوم: المهدوم. وفي الخبر أنه لما قتل بسطام بن قيس لم يبق بيت في بكر بن وائل إلا هجم، أي هدم. والخدب: الضخم. والشوقب الطويل. والخشب: الذي ليس بلين على من نزل به.
ومن التشبيه المصيب قوله في صفة روضة:
قرحاء حواء أشراطية وكفت … فيها الذهاب وحفتها البراعيم