باب في التشبيه
الجزء ١ · صفحة ٢٠١قرحاء. يريد الأنوار. وقوله: حواء يقول: تضرب إلى السواد لشدة ريها وخضرتها، وكذلك قال المفسرون في قوله الله جل وعز: " مدهامتان " " الرحمن: 64 " تضربان إلى الدهمة، لشدة خضرتهما وريهما.
وقوله: أشراطية ليس مما قصدنا له. ولكنه مما يجري فنفسره، ومعناه أنها مطرت بنوء الشرطين .
وحدثني الزيادي: قال: سمعت الأصمعي - وسئل بحضرتي، أو سألته عن قوله: أشراطية - فقال: باستة واست عرسه! وذاك أن الأصمعي كان لا ينشد ولا يفسر ما كان فيه ذكر الأنواء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا ذكرت النجوم فأمسكوا " . لأن الخبر في هذا بعينه. مطرنا بنوء كذا وكذا، وكان لا يفسر ولا ينشد شعراً فيه هجاء، وكان لا يفسر شعراً يوافق تفسيره شيئاً من القرآن، هكذا يقول أصحابه، وسئل عن قول الشماخ:
طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدما … جرى في عنان الشعر بين الأماعز
فأبى أن يفسر في عنان الشعربين.
وقوله : الذهاب فهي الأمطار اللينة الدائمة، ويقال: إنها أنجع المطر في النبت، وكذلك العهاد، وأنشد الأصمعي:
أمير عم بالنعماء حتى … كأن الأرض جللها العهاد
والبراعين، واحدها ، برعومة، وهي أكمة الروض قبل أن تتفتق، يقال لواحدها: كم ، وكمام، فمن قال: كمام، فمن قال: كمام، فجمعه أكمة، مثل صمام وأصمة، وزمام وأزمة، ومن قال: كم، فالجماع أكمام، قال الله عز وجل " والنخل ذات الأكمام " " الرحمن: 11 " .
ومن ذلك قول الآخر، أحسبه توبة بن الحمير.
قال أبو الحسن: يقال إنه لمجنون بني عامر، وهو الصواب:
كأن القلب ليلة قيل يغدى … بليلى العامرية أو يراح
قطاة غرها شرك فباتت … تجاذبه وقد علق الجناح
لها فرخان قد غلقا بكر … فغثهما تصفقه الرياح
فلا بالليل نالت ما ترجي … ولا بالصبح كان لها براح
وقد قال الشعراء قبله فلم يبلغوا هذا المقدار.
وقال الشيباني للحجاج:
هلا برزت إلى غزالة في الوغى … بل كان قلبك في جناحي طائر
فهذا يجوز أن يكون في الخفقان وفي الذهاب البتة.
ومن التشبيه المحمود قول الشاعر:
طليق الله لم يمنن عليه … أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عيني بنت ماء … تقلب طرفها حذر الصقور
وهذا غاية في صفة الجبان.
ونصب عيني بنت ماء على الذم، وتأويله: إنه إذا قال: جاءني عبد الله الفاسق الخبيث فليس يقوله إلا وقد عرفه بالفسق والخبث فنصبه أعني وما أشبهه من الأفعال، نحو أذكر، وهذا أبلغ في الذم، أن يقيم الصفة مقام الإسم، وكذلك المدح. وقول الله تبارك وتعالى: " والمقيمين الصلاة " " النساء: 162 " بعد قوله: " لكن الراسخون في العلم منهم " " النساء: 162 " إنما هو على هذا. ومن زعم أنه أراد: " ومن المقيمين الصلاة " فمخطئ في قول البصريين، لأنهم لا يعطفون الظاهر على المضمر المخفوض، ومن أجازه من غيرهم فعلى قبح، كالضرورة. والقرآن إنما يحمل على أشرف المذاهب. وقرأ حمزة: " الذي تساءلون به والأرحام " " النساء: 1 " ، وهذا مما لا يجوز عندنا إلا أن يضطر إليه شاعر، كما قال:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا … فاذهب فما بك والأيام من عجب
وقرأ عيسى بن عمر: " وامرأته حمالة الحطب " " المسد: 4 " أراد: وامرأته في جيدها حبل من مسد، فنصب حمالة على الذم. ومن قال إن امرأته مرتفعة بقوله: " سيصلى ناراً ذات لهب " " المسد: 3 " : فهو يجوز. وليس بالوجه أن يعطف المظهر المرفوع على المضمر حتى يؤكد، نحو: " فاذهب أنت وربك فقاتلا " " المائدة: 24 " و: " اسكن أنت وزوجك الجنة " " البقرة: 35 " ، فأما قوله: " لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا " " الأنعام: 148 " فإنه لما طال الكلام وزيدت فيه لا احتمل الحذف وهذا على قبحه جائز في الكلام ، أعني: ذهبت وزيد، وأذهب وعمرو، قال جرير:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه … ما لم يكن وأب له لينالا
وقال ابن أبي ربيعة:
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى … كنعاج الملا تعسفن رملا
ومما ينصب على الذم قول النابغة الذبياني :
لعمري وما عمري علي بهين … لقد نطقت بطلا علي الأقارع