من تشبيهات المحدثين
الجزء ١ · صفحة ٢٠٤أراد بياض الشريط في فيه.
وقال أعرابي في صفة مصلوب، وهو الأخطل: قال أبو الحسن: الأخطل الذي يعني رجل محدث من أهل البصرة، ويعرف بالأخيطل، ويلقب ببرقوقا، وذكر أبو الحسن أن أبا العباس كان يدلس به:
كأنه عاشق قد مد سفحته … يوم الفراق إلى توديعه مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثته … مواصل لتميه من الكسل
وقال مسلم بن الوليد:
وضعت حيث ترتاب الرياح به … وتحسد الطير فيه أضبع البلد
وقال حبيب بن أوس قال أبو الحسن: يعني به إسحاق بن إبراهيم الطاهري:
قد تقلصت شفتاه من حفيظته … فخيل من شدة التقليص مبتسما
وقال أيضاً في رجل ينسبه إلى الدعوة :
وتنقل من معشر في معشر … فكأن أمك أو أباك الزئبق
يقال: زئبق، وزئبر، مهموزان، ودرهم مزأبق، وثوب مزأبر .
ومن إفراط التشبيه قول أبي خراش الهذالي يصف سرعة أبيه في العدو:
كأنهم يسعون في إثر طائر … خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض
يبادر جنح الليل فهو مهابد … يحث الجناح بالتبسط والقبض
وقال أوس بن حجر قال أبو الحسن: أهل الكوفة يرونها لعبيد بن الأبرص:
كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت … من ماء أدكن في الحانوت نضاح
أو من معتقة ورهاء نشوتها … أو من أنابيب رمان وتفاح
وقال ابن عبدل يهجو رجلاً بالبخر:
نكهت علي نكهة أخدري … شتيم شابك الأنياب ورد
وفي هذا الشعر:
فما يدنو إلى فيه ذباب … ولو طليت مشافره بقند
يرين حلاوة ويخفن موتاً … وشيكاً إن هممن له بورد
والذباب: الواحد من الذبان، وأدنى العدد فيه أذبة، والكثير الذبان؛ ولكنه ذكر واحداً ثم خبر عن سائر الجنس، والأسد أنتن السباع فماً، كما أن الصقر أنتن الطير فماً.
قال بعض المحدثين في رجل يهجوه، والمهجو داود بن بكر، وكان ولي الأهواز وفارس، والشعر لأبي الشمقمق:
وله لحية تيس … وله منقار نسر
وله نكهة ليث … خالطت نحهة صقر
وقال عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن بن عائشة:
من يكن إبطه كآباط … ذا الخلق فإبطاي في عداد الفقاح
لي إبطان يرميان جليسي … بشبيه السلاح أو بالسلاح
فكأني من نتن هذا وهذا … جالس بين مصعب وصباح
يعني مصعب بن عبد الله الزبيري، وصباح بن خاقان المنقري - وكانا جليسين - لا يكادان يفترقان، وصديقين متواصلين، لا يكادان يتصارمان.
فحدثت أن أحمد بن هشام لقيهما يوماً، فقال: أما سمعتما ما قال فيكما هذا؟ يعني إسحاق بن الموصلي، فقالا: ما قال فينا إلا خيراً، قال: قال:
لام فيها مصعب وصباح … فعصينا مصعباً وصباحا
وأبينا غير سعي إليها … فاسترحنا منهما واستراحا
قال: ما قال إلا خيراً، ولكن . المكروة ما قال فيك، إذ يقول:
وصافية تعشي العيون رقيقة … رهينة عام في الدنان وعام
أدرنا بها الكأس الروية موهناً … من الليل حتى انجاب كل ظلام
فما ذر قرن الشمس حتى كأننا … من العي نحكي أحمد بن هشام
واعمل أن للتشبيه حداً؛ لأن الأشياء تشابه من وجوه، وتباين من وجوه؛ فإنما ينظر إلى التشبيه من أين وقع ، فإذا شبه الوجه بالشمس والقمر فإنما يراد به الضياء والرونق، ولا يراد به العظم والإحراق. قال الله جل وعز: " كأنهن بيض مكنون " " الصافات: 49 " ، والعرب تشبه النساء ببيض النعام، تريد نقاءه ورقة لونه ، قال الراعي:
كأن بيض نعام في ملاحفها … إذا اجتلاهن قيظ ليله ومد
وقيل للأوسية - وهي امرأة حكيمة في العرب - بحضرة عمر بن الخطاب رحمه الله: أي منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض، في حدائق خضر، فأنشد عمر بن الخطاب لعدي بن زيد:
كدمى العاج في المحاريب أو كالبيض في الروض زهره مستنير
وقال آخر:
كالبيض في الأدحي يلمع بالضحى … فالحسن حسن والنعيم نعيم
وقال جرير: