سورة مريم
الجزء ١٠ · صفحة ٢٨٦توجّه نداء الله إلى زكرياء مباشرة، والتّقدير: قلنا: يا زكرياء، وذلك يدلّ على سرعة الاستجابة. والتّبشير هو الإخبار بما يسرّ. والمبشر به هو هذا الولد الزّكيّ والمسمّى "يحيى"، والإخبار هنا هو بمعنى الأمر. وقد اختار الله هذا الاسم غير المعهود من قبل تيمّنا أن يمتعه الله بحياة طيبّة. وتلك ميزة اختصّ الله بها هذا الولد، إذ النّاس مختارون في تسمية أولادهم. وعندما يكون الاسم مبتكرا وهو يحمل مواصفات طيّبة للمسمّى فهو إكرام له وتشريف. وقد قيل: إن من الأسرار الخفية في هذه التّسمية أنّ يحيى سيموت شهيدا حتى يبقى عند الله حيّا كما تدلّ عليه الآية الكريمة: {وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169). وللفظ "السميّ" معنى النّظير والشّبيه كما في قوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ' سَمِيّاً) (مريم:65). وعلى هذا المعنى لا يكون "يحيى" أفضل من غيره ممن سبقه من أجداده كإبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأنّ المزية مهما عظمت لا تقتضي الأفضلية كما قيل.
تعجّب زكرياء من تلك البشارة الرّبانية فقال: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عُتِيّاً)، وعلى فرحه بالبشرى يتذكر زكرياء واقعه مع امرأته -وذلك أمر فطريّ في الإنسان- فهو يريد أن يعرف كيف يتحقق ذلك، -لا شكا في وعد الله، حاشاه- وإنما هو للاطمئنان القلبي كما فعل إبراهيم مع ربّه، فكلا الزّوجين عاجز عن الإنجاب، فكيف يأتي ذلك الولد؟ فهو لا يشكّ في قدرة الله، ولكنّه الفضول لمعرفة الكيفية.
وهنا يأتيه الجواب: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً).