سورة مريم
الجزء ١٠ · صفحة ٢٩٠يكرّم الحق تعالى يحيى بهذا النّداء التّشريفي: "يا يحيى"، يناديه باسمه الذي سمّاه به هو، وذلك من أطيب ما تعامل به إنسانا تريد به خيرا وصلاحا فتناديه بأحبّ أسمائه إليه، فيهفو إليك قلبه وتطمئن نفسه، فإذا أذنه صاغية لما تقول، ونفسه مقبلة عليك. ذلك ما يتمّ بين النّاس، فكيف إذا تمّ ذلك بين الله تعالى وعبده؟. فإنّه تعالى يعدّ عبده يحيى لأمر عظيم، ويتمثل ذلك في تسلّم ميراث والده زكرياء، إذ يتحمّل القيادة الرّوحية لبني إسرائيل، ومرجعيته في ذلك هو كتاب التّوراة. وقد شدّد الله في بعض الأحكام على بني إسرائيل جزاء تعنتهم وعنادهم، كما أنهم بدّلوا وغيّروا.
فالمهمة -إذن- تحتاج إلى قوة وعزيمة في التّطبيق والعمل، فليست القوة هنا بمعنى الإكراه والجبر من عند الله، بل هي العزيمة والإرادة في التّنفيذ؛ لأنّ أحكام الله هي أوامر ونواه، وكلّ منها يحتاج إلى قوة وصبر في العمل أو التّرك، والدّعوات لا تقوم على الضّعاف المهازيل، ولذلك نجد رسول الله يريد أن يظهر أصحابه أمام أعدائهم بمظهر القوة، ويقول: «المؤمن القويّ خير وأفضل وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف، وفي كلّ خير».(1)
ولقد زوّد الحقّ تعالى نبيه يحيى بما يكون به أهلا لتحمّل تلك الأمانة، ومن تلك المؤهلات:
- {وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً، وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً): والحُكم هو بمعنى النّبوءة أو هو بمعنى الحكمة، أي التّدبّر في الأمور بإصابة الرأي والفهم، ولا تكون تلك الميزة إلاّ مع الكبر ونضج العقل، ولكن الله زوّد بها صبيّا، فخصّه بتلك الميزة التي لا تخضع للأسباب.
(1) 1 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب (46) القدر، باب (8) الإيمان بالقدر والإذعان له، رقم 2664.