سورة مريم
الجزء ١٠ · صفحة ٣٣١تعاقب الأجيال ينتج عنه تغيّر الأحوال، سيما إذا طال الأمد بين فترات الرّسل، إذ يجيء من بعدهم خلف سوء يتصفون بالشّرّ والفسوق. وقوله تعالى: {مِن بَعْدِهِمْ) الضّمير يرجع إلى أولئك الصّلحاء من الرّسل والأنبياء القائمين على حدود الله، فيشمل كلّ الأمم التي عتت عن أمر ربّها ورسله، وصفها النصّ بصفتين هما دعامة الكفر والفسوق:
أ) - {اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ): فمن أضاع الصّلاة -وهي عماد الدّين- فهو لما سواها أضيع كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه. وإضاعة الصّلاة من سمات الكفر والشّرك، والمشركون في عذاب جهنم يعترفون بذلك عندما يقال لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (المدثر:42 - 43). والصّلاة هي الرّكن العظيم في الإسلام، والذي لا يسقط عن المسلم في أيّ حال من الأحوال، وهو أول ما يسأل عنه المؤمن يوم القيامة.
ب) - {وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ): وذلك نتيجة حتمية لإضاعة الصّلوات، لأنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
قوله: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً)، والغيّ ضدّه الرّشد. و"يَلْقَوْنَ" يدلّ على المستقبل بمعنى يلقون جزاء غيّهم في عذاب جهنم، وذلك مقابل أضدادهم من التّائبين الصّلحاء بما ينالون من جزاء الجنة.
{اِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً): استثناء من الوعيد المتقدّم لمن توفرت فيه ثلاثة شروط:
أ) - {اِلاَّ مَن تَابَ): أي توبة نصوحا بشروطها يتداركون بها أمر تقصيرهم في جنب الله بالإقلاع عن اتّباع الشّهوات، وحسن القيام بالواجبات.
ب) - {وَءَامَنَ): بمعنى تجديد إيمانهم، إذ يكون الإيمان غائبا عند اقتراف المنكرات كما قال رسول الله: «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن».(1)
(1) 1 - رواه البخاري من حديث ابن عباس، كتاب (86) الحدود، باب (6) السارق حين يسرق، رقم 6782.