سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٠٦يحتمل أن يكون هذا الكلام المستأنف هو لموسى فيكون قوله تعالى خلاله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً) جيء به على طريق الالتفات، ويحتمل أن يكون كله من كلام الله، والضّمير فيه عائد إلى "الرّب" في قوله: (عِندَ رَبِّي). توخّى موسى من الأدلة التّفصيلية للخلق، توخّى ما هو مناسب لغرور فرعون وتعاظمه بما يتمتع به من جنات الأرض وأنهارها وهو القائل: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الاَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيَ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) (الزّخرف:51). وتشبيه الأرض بمهاد الصّبيّ فيه من الدّقة والبلاغة لمناسبتها وضعية أرض مصر الخصبة على ضفاف النّيل، ممهّدة كالفراش، فهي بمثابة الأمّ، وأبناؤها البشر تحتضنهم برعايتها، وتطعمهم من خيراتها، فيسيرون في مناكبها على سبل ميسرة لتبادل المنافع برّا وبحرا. ومن إتمام نعمة خلق الأرض وتطويعها لحياة المخلوقات أن أمدّها الخالق بإنزال الماء وإخراج النّبات أصنافا مختلفة، وأزواجا متلاقحة للتّكاثر. فهي شتّى في الأنواع المختلفة وفي النّوع الواحد.
وفي نكتة الالتفات عن ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم في قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً) نبّه صاحب الكشاف إلى أن ذلك قد تكرّر في القرآن للدلالة على أن المتكلم بنون العظمة هو الخالق الذي سخّر ذلك بقدرته، فهو أحق بأن يطاع ويعبد، ومن أمثلة ذلك التّكرار قوله تعالى:
أ) - (وَهُوَ الذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) (الأنعام:99).
ب) - (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً اَلْوَانُهَا) (فاطر:27).
ج) - (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ) (النّمل:60).(1)
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير: 16/ 238.