سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤١٥فما أبلغ هذا الإيجاز هنا مما قد فصّله الله في آيات أخرى من جمع السّحرة وتحريضهم وإغرائهم بمكافآت عظيمة إن هم حققوا النّصر على موسى، كلّ ذلك قد اختصره الله في قوله: (فَجَمَعَ كَيْدَهُ’ ثُمَّ أَتَى)، فكلمة الكيد تعني ذلك التّدبير الخفيّ لمواجهة الخصم بما يشوّش عليه ويفسد خطته، فنحن اليوم أعرف بما يدبّره المدرّبون للمباريات المختلفة من وسائل معنوية ومادية قبل الدّخول إلى المباراة، وفرعون لم يضيّع شيئا من الوقت بعد إنهاء حواره مع موسى للتهيئة والإعداد. فجاء الرّبط بالفاء: (فَجَمَعَ كَيْدَهُ)، وقد أخذ ما يحتاجه من الوقت مع أعوانه حتى يتمّ عدّته.
ثم أتى الموعد المحدّد. وكان موسى وهارون حائرين، ومعهما ربّ العزة وقدسية رسالته، فماذا حصل بعد ذلك؟، يقول المولى تبارك وتعالى: (قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ كَذِباً فَيَسْحَتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى).
حاول موسى تخويف السّحرة بموعظة تربك معناوياتهم، فبدأهم بالخطاب الدّيني المتضمّن لرسالته فحذّرهم من تعمّد الكذب على الله بالتّمويه على النّاس بتلك الحيل السّحرية وادّعاء الألوهية لفرعون؛ لأنّهم يستنصرون به بمثل قولهم أمام الحشود الحاضرة: (بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) (الشّعراء:44). فكلّ ما يفعله السّحرة إنما هو شعوذة وحيل وتمويه لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة، وبالتّالي فهو افتراء على الله يعقبه عذاب عظيم وخسران مبين.