نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة طه

الجزء ١٠ · صفحة ٤٢٤

ثم لجأ إلى التّهديد والوعيد بالقسم والتّوكيد: (فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى): وتقطيع الأطراف من خلاف هو من أفظع التّعذيب، قيل: إنّ فرعون هو الذي ابتدعه. ومعنى: (مِنْ خِلافٍ) أي قطع اليد اليمنى مع الرّجل اليسرى والعكس. وزيادة في الإيلام والتّشهير يصلّب أجسادهم في جذوع النّخل، واختير "فِي" عوضا عن "على" للدّلالة على التّمكن حتى لكأن المظروف داخل في الظّرف.

وقوله: (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى)، فهناك مشتركان في شدّة العذاب والبقاء، أحدهما أزيد من الآخر فيهما، والمراد هو فرعون وربّ موسى. ولم ينل ذلك التّهديد الفرعوني من عزيمة السّحرة المؤمنين، بل هانت عليهم نفوسهم في الله واستهانوا بذلك الوعيد قائلين لفرعون: (قَالُواْ لَن نُّوثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ اِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَآ، إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى).

يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "عجيب أمر هؤلاء كانوا أول النّهار سحرة، وفي آخر النّهار شهداء بررة". نعم، إنّه الإيمان متى أشرقت أنواره في القلوب، فإنّ هداية الله تنير لها الطريق، وتذلّل كلّ صعب كما قال ربنا تعالى: (وَمَنْ يُّومِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ’ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (التّغابن:11).

٣٬٢٧٣ / ٦٬٧٦٧