نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة طه

الجزء ١٠ · صفحة ٤٤٥

ب) - وحمل بعض المحققين تلك الألفاظ إلى معان مجازية، فتكون الرّؤية عقلية، أي أن السّامريّ اهتدى إلى علم لم يعلمه بنو إسرائيل. وقوله: (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنَ اَثَرِ الرَّسُولِ) بمعنى أن القبضة تدلّ على النّصيب القليل، والمراد بالرّسول هو المبلغ لمنهج الله، أي سيدنا موسى، وأثره هو الشّريعة التي يعلمّها للناس، فيكون السّامريّ قد ألمّ بمعارفها الإجمالية، وفي قمتها توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد. وقوله: (فَنَبَذْتُهَا) هو بمعنى تخليت عنها وطرحتها من وجداني، ثم ركنت لوساوس نفسي ففعلت ما فعلت من صناعة التّمثال وإغراء القوم بعبادته.

وعلى هذا الاحتمال الثّاني لمقولة السّامريّ كثير من أعلام المفسّرين كالأئمة: الزّمخشري والرّازي، ومن المحدثين: ابن عاشور والشّعراوي وأبو زهرة.

ثم يواجه موسى السّامريّ بما يستحقه من العقاب في الدّنيا والآخرة فيقول: … (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ’ وَانظُرِ اِلَى إِلَهِكَ الذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ’ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ’ فِي الْيَمِّ نَسْفاً).

فأوّل عقاب لهذا المتمرّد أوقعه به موسى هو عزله عن المجتمع؛ ذلك لأنه عليه السلام قد علم بوحي من الله بأنّ السّامريّ ميؤوس من صلاحه، ثم إنّ الله تعالى جازاه بعكس مقصوده مما كان يمنّي نفسه به من وراء تلك الفتنة أن يصبح له أتباع وأشياع فتكون له مكانة وحظوة بينهم، فإذا به يبقى طريدا محجورا عليه بمرض عضال لا يستطيع معه أن يمسّ أحدا ولا أن يمسّه أحد بحيث يقول لكلّ من لقيه من النّاس: (لاَ مِسَاسَ)، فإن وراء أيّ مسّ أوجاعا وآلاما، وذلك هو عذابه الدّنيوي، وأما العذاب الأخروي فهو أنكى ما ينتظره في موعد لا يتخلّف.

٣٬٢٩٤ / ٦٬٧٦٧