نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنبياء

الجزء ١١ · صفحة ٥

ب) - (مُّعْرِضُونَ}: جيء بوصف الإعراض بدل الفعل للدلالة على أنه صفة ملازمة لهم مع الغفلة، ويكون عند تذكيرهم بذلك، إذ أن الإخبار بدنوّ قيام السّاعة لا يكون إلا عن طريق الوحي.

ثم قال تعالى: (مَا يَاتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ اِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ}، وهذه صفة أخرى تبيّن مدى تمكّن الغفلة من نفوسهم، إذ أنهم ينفرون من سماع القرآن وقد نزل من الرّبّ تعالى غضّا طريّا إمّا جديدا في نزوله، أو تكرر نزوله وفق ما اقتضته حكمة الله من التّدرّج في التّشريع ووفق مجريات الأحداث. وإضافة الذّكر إلى أنه من: (رَّبِّهِمْ) هي لإثبات حقية القرآن بأنه منزّل من خالقهم الذي يقرّون بوجوده وأنه هو الخالق الرّازق. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الشّعراء: (وَمَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ اِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ} (5). أي أنهم لا يلقون بالاً لسماع القرآن، بل هم يتعمّدون التّشويش عليه حتى لا يتأثروا ببيانه، فيصرفون أنفسهم عنه باللّهو واللّعب سخرية واستهزاء. وتلك هي حالة الكارهين المبغضين للشيء، إذ تتحجّر قلوبهم بما هم عليه من الكره والإعراض، وإذ هم على تلك الحالة من الصّدود والنّفور فهم يجمعون أمرهم ويتسارّون ويتشاورون كيف يردّون تلك الدّعوة ويصدّون النّاس عنها. فقال تعالى: (وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمُ أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}.

وصف الله المتسارّين بالنّجوى منهم بـ (الذِينَ ظَلَمُواْ) على البدلية من واو الجمع في: (أَسَرُّواْ}، وهي صفة عامة تتناول كل أنواع الظّلم، وأعظمه ظلم الحق تعالى بالكفر والشّرك. وممّا جاء في تناجيهم:

٣٬٣٤٥ / ٦٬٧٦٧