سورة الأنبياء
الجزء ١١ · صفحة ٧٢ب) - والميزة الثّانية التي خصّ الله بها داود هي قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِيُحْصِنَكُمْ مِّنم بَأْسِكُمْ فَهَلَ اَنتُمْ شَاكِرُونَ}، هذه هي المنة الثّانية التي أنعم الله بها لداود عليه السلام، وهي صناعة الدّروع، وقد وصفها الله بأنها لبوس لنا، تحمينا من بأس الحرب، فاللّبوس أمتن وأمنع لأجسادنا من اللّباس، وتعليم الله له لتلك الصّنعة كان بالإلهام والتّوفيق لمعرفة أفانين تلك الصّناعة التي لم تكن معروفة من قبل، فقد ألان الله له الحديد كما قال في سورة سبأ: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا اِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (سبأ:10 - 11).
وقد أثنى الرّسول على داود وجعله لأمته قدوة في الأكل بكدّ اليمين، فقال عليه السلام: «ما أكل أحد قطّ طعاما خيرا من عمل يده، وكان داود يأكل من عمل يده».(1)
أما المزايا التي خصّ الله بها سليمان فهي كما قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الاَرْضِ التِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَّغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَالِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ}.
العطف على جملة: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ}، فالتّسخير في كلتا القصتين من الله تعالى لكليهما يأخذ طابع المعجزة الخارقة، والرّيح العاصفة هي الرّيح الشّديدة. وإذ كان سليمان ربيب بيت صنّاع مما كان يتقنه أبوه، فإنه -ولا شك- في منزلة متقدمة من الفنّ والإبداع.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث المقدام، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، رقم 1966.