سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١١٤(فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}: إلفات الأنظار إلى الخلق الأول، أي المتمثل في خلق آدم عليه السلام من عناصر تراب الأرض. والقرآن يعدّد التّعبير في أصل الخلقة، فيذكر التّراب، ويقول مرة الطّين، ومرّة الحمأ المسنون، ومرّة من صلصال كالفخار. وليس في ذلك تناقض، بل هي لبيان المراحل المتعدّدة للشيء الواحد، وهو التّراب عندما يعجن بالماء فيتطوّر إلى طين ثم إلى حمإ مسنون، وعندما يجفّ منه الماء يتصلب فيصير فخارا … إلخ.
ومن آدم وزوجه حوّاء كان التّناسل للخلق في مراحل عطفت بـ"ثمّ" للدّلالة على التّدّرج في أطوار الخلق فقال جلّ من قائل: (ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}، فهذه الآية في بيان أطوار خلقة الجنين في بطن أمّه، ونظيرها في سورة "المؤمنون" هما من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، لم يتوصل إليها الطبّ الحديث إلا مؤخّرا، فتبارك الله أحسن الخالقين.
والنّطفة هي ماء الفحل يلتقي ببويضة الأنثى، وفي آية أخرى وصفها الله بأنها نطفة أمشاج -أي أخلاط- كما وصفها بأنها ماءٌ مهين.
(ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ}:وهي قطعة دم تتجمد، تعلق برحم المرأة ثم تتطور إلى مضغة، ويعطي الله وصف التّخليق للمضغة نفيا وإثباتا، وهي القطعة من اللّحم بقدر ما يمضغه الإنسان، وفسّروا التّخليق وعدمه بالمسوّاة وغير المسوّاة، فهي تظهر فيها أشكال الخلقة من الوجه والأطراف فتكون مخلّقة بظهور مبادئ الخلق عليها، وغير مخلقة -أي في أول طورها-، وعقب الله على ذلك التّدرّج في الخلق لبيان قدرته على الإحياء بعد الموت.