سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١١٦وبنفس الأداة "ثم" عطف الله بين طور الطّفولة وبلوغ الأشدّ، وهو قوة البدن وكمال الرّشد والعقل، ذلك لأن الإنسان من دون سائر الحيوانات الأخرى في حاجة ماسّة إلى تلك المدة الطّويلة في أحضان والديه حتى يكتمل نموّه ويستغني عنهما، وحين ينتهي إلى أشدّه -وغالبا ما يكون في حدود الأربعين- يصبح على أحد الأمرين كما قال تعالى: (وَمِنكُمْ مَّن يُّتَوَفَّى وَمِنكُمْ مَّن يُّرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنم بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا}.
بما أن لكلّ مخلوق بداية ونهاية، وبينهما تلك الأطوار المختلفة، فقد اقتضت حكمة الله أن يعتورها الوجود والعدم، فيتوفى البعض منا قبل بلوغ بعض الأطوار، إما بمرض أو بحادث، ويردّ البعض منا إلى أرذل العمر بالشّيخوخة والهرم، فتنتكس خلقة الإنسان عجزا ووهنا وفقدانا للذّاكرة، وأحيانا يتغلب الخرف عليه ويصبح عبئا ثقيلا على ذويه، وتلك حالة كان الرّسول يستعيذ بالله منها، ولذلك جاء في الدّعاء المأثور: "اللّهم اجعل الحياة لنا زيادة في كل خير، والموت راحة لنا من كل شرّ".
ثم ارتقى الله في الاستدلال على الإحياء بعد الموت فساق دليلا مشاهدا من أحوال الأرض فقال: (وَتَرَى الاَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِم بَهِيجٍ}.