سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١٢٧وخلاصة القول لما سبق أن الله تعالى مظهر دينه وناصرٌ رسوله فليفعل أعداؤه ما شاؤوا بأنفسهم فإن ذلك لا يغني عنهم شيئا.
ثم قال تعالى: (وَكَذَالِكَ أَنزَلْنَاهُ ءَايَاتِم بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُّرِيدُ}، الضّمير في: (أَنزَلْنَاهُ) يعود إلى القرآن، والمشابهة بين آياته في ما أنزله الله فعلا، وما قدّر إنزاله هي للتّأكيد على تمام معجزته، وأنه أنزل بعلم الله، وأنّ إرادته تعالى نافذة فيمن يريد له الهداية به، ثم إن معجزة القرآن هي من أعظم المؤهلات والمحفّزات للنّصر الذي حظي به رسول الله على أعدائه، إذ جمعت حوله حشود المهتدين ممن قدّر الله هدايتهم.
وبما أن الإسلام ليس بدعا من الأديان السّابقة في اختلاف أتباعه عليه، فقد بيّن الله تعالى أحوال الفرق الأخرى بعضهم مع بعض فقال تعالى: (إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
لا تمايز بين النّاس عند الله إلا بالأعمال، ويتمّ الفصل بينهم يوم القيامة، فقد ذكر الله فئات ستا، تدّعي كل منها أنها على الحق، وغيرها على الباطل؛ لأن الفصل لا يكون إلا على خصومة وخلاف. وتقدم ذكر هذه الطّوائف في سورتي البقرة والمائدة، وزاد عليها في هذه الآية ذكر المجوس والمشركين. والمجوس اشتهروا بعبادة الشّمس والقمر والنّار، وهم أغلب بلاد فارس قبل ظهور الإسلام، وأما الذين أشركوا فهم الذين يشركون مع الله إلها آخر في العبادة والدّعاء، فيدخل فيهم كلّ من انحرف في معتقده حتى من اليهود والنّصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم.