نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجّ

الجزء ١١ · صفحة ١٢٩

الجملة المصدّرة بالاستفهام الإنكاريّ: (أَلَمْ تَرَ) مرتبطة بما سبق من ذكر أصناف النّاس أزاء إفراد العبادة لله؛ لأنها تبيّن أحوال المخلوقات كلها حيّها وجامدها كيف أنها كلها خاضعة لجلال الله وعظمته، فلكل مخلوق منها مهما صغر أو كبر تسبيح وسجود، كما تقدم هذا المعنى في سورتي الرّعد والإسراء. والخطاب في الآية إما للنبي أو لغير متعيّن، والرّؤية علمية للفت الأنظار إلى إدراك تلك الحقيقة الوجودية من خضوع كلّ ما في الكون لإرادة الله. وقد شملت الآية العقلاء وغيرهم، غير أننا نلاحظ بعد أن عمّمت سائر المخلوقات أفردت لبني آدم حالة خاصّة إذ قال المولى: (وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وكَثِيرٌ حقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}، بمعنى أن فيهم وحدهم العاصي والمطيع، بمعنى أن لهم انقيادا وسجودا لله كباقي أجناس الكون، وأن لهم حرية واختيارا فيتمردون على خالقهم، فيحقّ عليهم العذاب، وهو الجزاء الوفاق لكلّ من أشرك بالله؛ لأنه تعالى قد كرّم الإنسان وفضله على كثير ممن خلق، ومن حقّ الله عليه أن يعبده ولا يشرك به شيئا. ولكن المشرك العاصي قد أبى ذلك الإكرام، واختار الذّلة والإهانة لنفسه، ومن يهنه الله في الدّنيا والآخرة بسبب ما كسبت يداه، فليس له من مكرم ولا معزّ، وتلك هي حكمة الخالق في تدبير شؤون خلقه.

والإنسان إنما يهون بفعله عندما يختار سبيل الغواية والضّلالة، فيأتي عذاب الله وإهانته له وفق اختياره، ولا ينازع أحد الله في مشيئته؛ لأن له وحده المشيئة المطلقة والإرادة الكاملة. ويبقى سرّ التّوفيق والخذلان لمن يشاء الله من عباده من خصوصية المولى تبارك الله وتعالى، وليس أمامنا -نحن المؤمنين- إلا التّسليم لإرادته وطلب الهداية والتّوفيق منه، والله أعلم.

مشهد الخصمين أمام الله يوم القيامة.

أ) - النصّ:

//

/

/

/

/

ب) - التّحقيق اللّغويّ:

٣٬٤٦٩ / ٦٬٧٦٧