نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجّ

الجزء ١١ · صفحة ١٤٦

ولما عكس المشركون القضية فحرّموا ما أحلّ الله وأحلّوا ما حرّم الله ونسبوا التّحريم إليه كذبا وزورا جاء نهيه تعالى عن الوثنية وقول الزّور، فوصف الأوثان بأنها رجس لقذارتها المعنوية تتعلق بالقلوب في اعتقاد متمّكن راسخ كتعلّق الأوساخ بالأجساد، والأمر باجتنابها يعني النّهي عن الاقتراب منها، فهو أبلغ من مجرّد النّهي. وكرّر فعل: (اجْتَنِبُواْ) لقول الزّور لبيان عظم إثمه إذ سوّاه الرّسول بالإشراك بالله في الإثم، قال: «عدلت شهادة الزّور الإشراك بالله». قالها ثلاثا.(1)

وقد تمّم الله قوله: (اجْتَنِبُواْ) بذكر صفتين للمخاطبين ترفعانهم إلى مستوى الإخلاص والحبّ لله فقال: (حُنَفَآءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}، وكلتاهما في موقع الحال، ووصف "حنيف" تشير إلى ميزة إبراهيم الخليل، وفي ذلك إيحاء للمخاطبين بأن يكونوا حقّا على ملّته، لا بمجرّد الادّعاء.

ثم ضرب الله مثلا للمشركين في عاقبتهم الوخيمة فقال: (وَمَن يُّشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}، فهو تشبيه مركّب صوّر به حال المشرك بالله، وهو يتردّى في مهاوي الضّلالة، وليس له فيها من نجاة.

أ) - ففي الصّورة الأولى: شبّهه بمن سقط من السّماء فاختطفته الطّير قطعا وأجزاء، إذ هو موزّع الأهواء، مشتّت التّوجّهات، لا ضابط له من دين ولا عقل والجسد الموزع هالك -لا محالة-.

(1) 1 - رواه الترمذي من حديث خريم بن فاتك، كتاب الشهادات، باب شهادة الزور، رقم 2300.

٣٬٤٨٦ / ٦٬٧٦٧