سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ١٦٤بعد أن توعّد الله المشركين على مكرهم وصدّهم عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وبعد أن أذن لرسوله في القتال ووعدَه بالنّصر، وبيّن أوصاف المؤمنين، أعقبه هنا بتسلية الرّسول وتثبيته، بأن ذكّره بما كان من سنّته تعالى في إهلاك الأمم التي كذّبت رسلها، وكيف استأصلها الله بأنواع من العذاب، فهو ليس بدعا من الرّسل في ذلك إذ كذّبه قومه، وأنّ وعيد الله لا يتخلّف إن هم استعجلوه. فقال عزّ من قائل: (وَإِنْ يُّكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ، وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ، وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِي}.
فلئن كان رسل الله قد تحمّلوا من أقوامهم أرزاء التّكذيب والإعراض -وقد بعثهم الله لأقوام خاصّين- فما بال محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بعثه الله كافّة للنّاس بشيرا ونذيرا؟، فلا شك أنه واجه الأعباء الثّقال في دعوته على قدر أهميتها وشموليتها، فما أحوجه -إذن- إلى مثل هذا التّذكير بسنة الله في خلقه بأمثال هذه النّماذج من قصص الأنبياء مع أقوامهم وكيف كانت مصائرهم؟، ولا شكّ أنّ المخاطبين من كفّار قريش هم أعرف النّاس بتاريخ تلك الأمم من خلال معاينتهم للآثار التي يمرّون عليها في أسفارهم بشمال الجزيرة وجنوبها كما قال تعالى في خرائب قوم لوط: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (الصافات:137 - 138).
وقوله تعالى: (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِي}، فيه بيان لسنّة الإمهال قبل الإهلاك، والعطف بـ"الفاء" يفيد التّرتيب بينهما، وذكر الكافرين هو لإفادة العلّة لما في ذلك من النّذارة لمشركي مكة وهم يستعجلون العذاب من رسول الله.