نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجّ

الجزء ١١ · صفحة ١٨٠

والإشارة إليهم بـ (أُوْلَئِكَ) للدّلالة على أنهم استحقوا ذلك النّوع من العذاب لأجل كفرهم وتكذيبهم بآيات الله، على اختلاف أنواعها، بدافع كبريائهم وعنادهم.

ثم خصّ الله بالذّكر ونوّه بشأن المهاجرين في سبيل الله فقال: (وَالذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقينَ، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مَّدْخَلاً يَرْضوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ}، الهجرة تعني كما يقول سيد قطب: "والهجرة في سبيل الله تجرّد من كلّ ما تهفو له النّفس، ومن كلّ ما تعتز به وتحرص عليه: الأهل والدّار والوطن والذّكريات والمال وسائر أعراض الحياة، وإيثار العقيدة على هذا كله ابتغاء رضوان الله، وتطلعا إلى ما عنده هو خير مما في الأرض جميعا"(1).

قلت: إن التّطبيق العمليّ للهجرة في الإسلام تمثل في هجرة رسول الله وأصحابه من مكة إلى المدينة المنورة لإقامة الدّولة الإسلامية ومواجهة قوى الكفر بعد أن أذن الله لهم بردّ العدوان والدّفاع عن أنفسهم.

وقوله تعالى: (ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ}: "ثُمَّ" تدلّ على التّراخي، بمعنى أنهم بعد هجرتهم يلاقون أحد المصيرين: إما الشّهادة في سبيل الله دفاعا عن عقيدتهم، أو الموت حتف أنوفهم بدون قتل، ففي كلتا الحالتين فإنّه تعالى رفع من شأنهم فعوّضهم بما فقدوه من المال والأهل والوطن، عوّضهم بأحسن مما تركوه:

أ) - (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقينَ}: ذلك في الحياة الدّنيا بما يغدق الله عليهم من الرّزق الحسن بالفيء وغنائم الحرب والتّمكين لهم من خيرات البلاد التي يفتحونها، وأكّد الله وعده بالقسم ونون التّوكيد، فهو رزق حلال طيّب.

(1) 1 - سيد قطب، في ظلال القرآن: 17/ 113.

٣٬٥٢٠ / ٦٬٧٦٧