سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٥٤(وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}: جاء التّذييل مناسبا لما امتدح الله به المؤمنين الممتازين، إذ ربما قد يقصر شأو الآخرين عن بلوغ تلك المرتبة العليا، وأنّ ذلك أمر يشقّ على النّفوس التي من طبعها الضّعف والوهن، فبيّن الله في هذه الآية أنّ التّكاليف الشّرعية كلّها هي في حدود الوسع والطّاقة، وما جعل في الدّين من حرج، وكان من رحمته تعالى أن شرع الرّخص للمتضررين وقال: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) (التّغابن:16). وهذه الميزة التي اشتهر بها التّشريع الإسلامي لا يمكن أن يسقطها عنه أولئك المسلمون الجغرافيون اليوم بدعوى كثرة الواجبات التي أصبحت أكثر من الأوقات، مما يوسوس لهم الشّيطان ويغويهم به لإهمال واجباتهم الدّينية.
وبما أن النّاس تتفاوت قدراتهم في هذه المجالات التّنافسية فإن عدل الله يقتضي أن يتفاوتوا في الجزاء. ولذلك جاء العطف بقوله تعالى: (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
ترد في لفظ: (كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ) عدّة احتمالات: بأنه اللّوح المحفوظ أو القرآن، أو كتاب صحائف الأعمال لكلّ مكلّف، والأرجح لما يناسب السّياق -والله أعلم- هو الاحتمال الأخير، ويؤيّده قوله تعالى: (هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الجاثية:29).
(وَلَدَيْنَا}: هو للدّلالة على الحفظ والرّعاية عند الله، وإحاطة علمه تعالى بما سجّل في تلك الصّحائف التي يحاسب المرء على مقتضاها من حسنات أو سيئات ليكون حجة عليه حين يقال له: (اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) (الإسراء:14).
(وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}: فلا ينقص من حقهم شيئا بل الله يعفو عن كثير.