سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٥٧قال تعالى: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمُ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَالِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ}: أضرب الله عما سبق ليذكر غمرة أخرى انغمست فيها قلوبهم فلا تهتدي بهدي القرآن، ولا تتخلّق بصفات عباد الرّحمن، وإذا انطمست القلوب فلا خير يرجى من أعمال الجوارح؛ لأن القلوب هي مستودع المعتقدات والمشاعر التي تتحكم في حركات الجسد، مصداقا لقوله عليه السلام: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»(1). فهذه الغمرة -إذن- هي أنكى من الغمرة الأولى؛ لأنهم أصبحوا ممن ختم الله على قلوبهم فاطمأنوا للكفر والعصيان.
ثم يقول تعالى: (وَلَهُمُ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَالِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ}، أي إن فساد معتقدهم ينجرّ عنه أعمال خبيثة سيقعون فيها مثل سبّ الرّسول وإذايته والطّعن في القرآن. وتلك الأعمال هي مقدّرة في علم الله المحيط، فهم -لا محالة- عاملون لها في المستقبل، وإن كانوا لا يعلمون؛ لأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون. ووصف: (أَعْمَالٌ) بالجملة الاسمية: (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) للدّلالة على الدّوام والثّبات على تلك الأعمال.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث النعمان، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم 52. ورواه مسلم من حديثه أيضا، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم 4178.