سورة المؤمنون
الجزء ١١ · صفحة ٢٦٨ثم قال تعالى: (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، والاستفهام للتّحريض على النّظر والتّدبّر وللإنكار على الذين لا يعملون عقولهم في التّأمّل والاعتبار، بل هم راضون بما هم عليه من الشّرك، ودوافعهم في ذلك هو التّقليد الأعمى لآبائهم قال تعالى: (بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الاَوَّلُونَ، قَالُواْ أَ. ذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا اِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلآَّ أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ}.
على ذكر خاصّية الإماتة والإحياء بالله تعالى أُدمج هنا بيان أصل من أصول الشّرك، وهو اعتقاد استحالة البعث بعد الموت، وجيء بأداة "بَلْ" للإضراب الإبطالي، لكون المشركين يعقلون، فهم في كلّ أجيالهم متشابهون، ينقل الحاضر منهم عن المتقدّم في تقليد أعمى دونما تفكير ولا تدبّر، وقد انتقل من أسلوب الخطاب إلى أسلوب الغيبة للدّلالة على حقارة منزلتهم وسفاهة عقولهم، إذ جاءت أقوالهم في إنكار البعث مطابقة لأقوال من سبقوهم من الأمم المشركة، في استفهام إنكاريّ لما أخبر به الرّسل من البعث إلى حياة ثانية للحساب والجزاء. وفي مضمون مقولتهم جمعوا بين الموت وكونهم ترابا وعظاما، لتقوية الإنكار واستبعاد ما أخبر به القرآن، ثم عللّوا إنكارهم بتكرار الوعد بذلك في من سبقوهم، ولم يقع البعث لواحد من الموتى أبدا، ومن ثمّ فإن الحديث في ذلك الموضوع هو من قبيل الأساطير التي يتلهّى بها النّاس، وليس لها وجود في الواقع، ذلك لأن شبهتهم هذه لم تخرج عن إطار الحياة الأولى للكون، فهم يرون رتابة نظامه واستمراره النّسبيّ فاعتقدوا استحالة وجود حياة أخرى، وبالتالي فلا يعتقدون بالفناء الكليّ لهذا العالم، كما هو شأن الماديين اليوم.