نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٢٩٨

لقد حاول الخرّاصون أن يستفظعوا الحدود الصّارمة في مثل هذه الجرائم التي تقوّض أركان المجتمع، بدعاوى من التّقدم والوعي الحضاري الذي تتمتع به اليوم المجتمعات البشرية، وهل يعدّ الطّبيب الجرّاح قاسيا وهل يعتبر مجرما في نظر القانون إذ يشرّح لحم المريض ويقطع أوصاله ليضمن العافية لباقي أعضاء جسمه؟.

ودفعا لهذا الوهم الخاطئ لعاطفة الرّحمة في مثل هذه المقامات، جاء النّهي عنها عن التّرفق أو الرّأفة في إقامة الحدّ، واعتبار ذلك من مقتضيات دين الله في مراعاة تلك الأحكام الصّارمة، ومن مستلزمات الإيمان بالله واليوم الآخر: (وَلاَ تَاخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ الْمُومِنِينَ}.

حدّ الزّنى نوعان: حدّ البكر وحدّ الثّيب. بعد تلك المقدمة العامّة في ذكر الأحكام التي تنزلت السّورة لبيانها وفرضيتها، بدأ الله تعالى ببيان حكم الزّناة فقدم المرأة على الرّجل لأن داعية الزّنى في الغالب تكون بتعرّض المرأة للرّجل وإغرائه بزينتها. يقول الرّسول: «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرّجال من النّساء».(1)

وظاهر النّصّ أن عقوبة الزّناة هو الجلد مطلقا، وقد أشرنا إلى التّدرّج في محاربة هذه الآفة وقطع دابرها، إذ يرى جمهور المفسّرين أن عقوبة الزّنا في أول الإسلام هي ما ورد في سورة النّساء من الحبس في البيت والإذاية بالتّعبير في قوله تعالى: (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ فَئَاذُوهُمَا) (15 - 16).

(1) 1 - رواه البخاري من حديث أسامة بن زيد، كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة، رقم 5096.

٣٬٦٣٨ / ٦٬٧٦٧