سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٣٢١وجيء بصيغة الحصر: (هُمُ الْكَاذِبُونَ) للمبالغة في تصوير الشّناعة، ولا يفيد أن الكذب لا يكون كذبا إلا عند انعدام الشّهود، لأن الأضرار التي تلحق بالكذب تتفاوت درجاتها بين أنواع الكذب الذي يعرفها النّاس في تعاملهم، فكأن الحصر الوارد في هذا النّوع من الإفك هو للدّلالة على أنه الأشنع والأفظع عند الله، ثم إن هذه العندية ماذا تفيد في هذا المقام؟ إنما جيء بها -والله أعلم- لإفادة أن حكم الله في هذه القضايا الحساسة تنبني على علمه السّابق والمحيط بدخائل عباده وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، بينما أحكام العباد يجب أن تستند إلى المشاهدة والبيانات الموثوق بها، ولذا يجب عليهم عند سماع الأخبار التي لا يطمئنّون إلى نزاهة مصادرها، يجب عليهم أن يتبيّنوا قبل إشاعتها أو بناء الحكم عليها، قال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6).
قال تعالى: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ’ فِي الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، اِذْ تَلَقَّوْنَهُ’ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ’ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ}:
(لَوْلاَ}: شرطية تفيد الامتناع للوجود، فقد غمركم فضل الله ووسعتكم رحمته في هذا الابتلاء، فرفع عنكم عذاب الدّنيا والآخرة، فأما عذاب الآخرة فقد رفعه الله عنكم بالتّوبة والاستغفار وأما عذاب الدّنيا فقيل: إنّه برفع الحدّ عن الذين تثبت إدانتهم من ضعاف المسلمين الثّلاثة المذكورين سالفا.