نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣٢٧

ثبت من مختلف الرّوايات أن أبا بكر الصّديق رضي الله عنه كان ينفق على ابن خالته مسطح بن أثاثة لمسكنته وقرابته، فلمّا خاض في الإفك حلف أبو بكر ألا ينفق عليه، فجاء مسطح يعتذر إليه بأنّه كان يغشى مجالس حسّان فيسمع ولا يقول، غير أنّ أبا بكر بقي واجدا في نفسه عليه حتى نزلت الآية، فكفّر عن يمينه، وقال: بلى، إني أحبّ أن يغفر الله لي. ورجع إلى الإنفاق عليه، وروي عن ابن عبّاس: أنّ جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كلّ من قال في الإفك، وقالوا: والله لا نصل من تكلّم في عائشة. فنزلت الآية في جميعهم، والأرجح أنها نزلت ابتداء في أبي بكر ومسطح، وتشمل بعموم لفظها كلّ من شاركوا في قضية الإفك.

هـ) - البيان والتّفسير:

بعد الجولة التّربوية المركّزة في الآيات العشر التي تناولت قصة الإفك وما تخلّلها من تذكير المؤمنين بفضل الله عليهم ورحمته ثلاث مرات، يأتي النّداء الإلهي المميّز لجماعة المؤمنين ليحذّرهم من العدوّ اللّدود الذي يسري في دمائهم مسرى الدّم في العروق، عدوّهم الشّيطان الماكر الخفيّ الذي يترصّدهم في كلّ خطوة، ويتربّص بهم في كلّ مسلك.

ولئن كان أولئك الأعداء من الفسقة الأفّاكين يجوسون خلال الدّيار، ويتسّللون من وراء الأسوار لإشاعة أراجيفهم في صفوف المسلمين ولإثارة الفتنة من داخل المجتمع، فإن الصّراع بين الحق والباطل وحلبة معركته هي أيضا في أغوار كل نفس إنسانية متمثلة في وسوسة الشّيطان ووازع الدّين والإيمان، إنّه لا يفتر عن وسوستكم ومحاولة إضلالكم، إنه يزيّن ويغري، ثم يفتن ويغوي، ثم يتسّلّل معرضا بعد أن يطمئن إلى فريسته أسيرة في شباكه، وعند مواجهة العدل الإلهي في الحساب والعقاب ينكص على عقبيه متبرّئا ناكرا.

٣٬٦٦٧ / ٦٬٧٦٧