سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٣٤٢وضبط الحواس من أن تنفلت من قيودها المشروعة سيما النّظر هو من الإجراءات الوقائية التي يهدف الإسلام من ورائها صيانة المجتمع من مغريات الاستثارة والتّهييج للغرائز الجنسية بين الجنسين، لأن هذه الغرائز ليست في حاجة إلى ما يثيرها إذ جعل الله لها دوافع فطرية هي في حاجة إلى التّلبية والإشباع بطرق حلال كما أمر الله، وإلا أصبحت ملحاحة مهتاجة لا يشبع لها سعار ولا ينطفئ لها أوار، يقول رسول الإسلام: «كتب على ابن آدم حظه من الزّنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النّظر، وزنا اللّسان النّطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرّجلين الخطى، والنّفس تتمنّى وتشتهي، والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه».(1)
(قُل لِّلْمُومِنِينَ يَغُضُّواْ مِنَ اَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمُ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}:
لم يتكرر النّداء المباشر من الله للؤمنين، بل جاء أمر الله لرسوله بالتّبليغ للؤمنين، وفي ذلك من التّنويع اللّفظي ما فيه من البلاغة، ثم إن الأمر بالتّبليغ: (قُل) فيه تأكيد على ما يبلغ بأنه من أمر الله للمؤمنين الملتزمين بأحكامه. (يَغُضُّواْ}: مجزوم في جواب الأمر، والغض هو النّقصان وصرف النّظر عن بعض الشّيء، -أي من النّظر المحرّم- إلى العورات إلى مفاتن النّساء مما يثير غرائز الشّهوة لأن النّظر بريد الزّنا ولأنها تدعو إلى التّشهي ثم النّزوع إلى إرضاء الشّهوة الحرام، وقد أحسن أمير الشّعراء حين رتب مراحل النّزوح إلى الفاحشة حين قال:
نظرة فابتسامة فسلام … فكلام فموعد فلقاء
(1) 1 - رواه البخاري بلفظ قريب من حديث أبي هريرة، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، رقم 6243. ورواه أحمد في المسند بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة، رقم 8919، (2/ 379).