سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٣٥٣أما الخدم من الخصيان الذين ما يزالون إلى اليوم في بعض الأسر الكبيرة فقد صرّحت بهم الآية بقوله تعالى: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الارْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ}، فكل رجل لا يكون محرما لها ولا في ملك يمينها يحرم على المرأة أن تظهر زينتها له إلاّ أن يكون تابعا، أي في خدمة أو عمل، وليس له أربٌ بالنّساء لأي سبب من الأسباب، سواء كانت طبيعية كالعنّة والبلاهة ونحوها من الأمراض، أو صناعية كالجبّ والخصي سواء بحادث أو بقصد كما يفعل ذلك بعض الملوك والأمراء بخدّامهم. فالمدار هو أن تؤمن فتنتهم وهم يقومون بمهمّاتهم وسط النّساء، أما إذا ما بدا منهم أيّ ميل أو اشتهاء فيجب إبعادهم كما فعل رسول الله بالمخنث "هيت" وهو أخو أمّ سلمة من أبيها حين أخذ يصف جارية بنت غيلان الثّقفي وهي امرأة جميلة بدينة، وصفها بأسلوب العاشق الولهان فقال له رسول الله: «لقد غلغلت النّظر إليها يا عدوّ الله».(1) ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى، فبمجرّد وصفه لزينة المرأة فإنه لا تؤمن فتنته على الرّجال الآخرين.
ثم قال تعالى: (أَوِ الطِّفْلِ الذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ}، فلفظ الطّفل للجنس، أي الأطفال الذين لم تنتبه فيهم الغريزة الجنسية، ولا نحدّد ذلك ببلوغ الحلم، فقد تتيقظ فيهم الغريزة قبل ذلك فيجب أن يمنعوا احتياطا من الفتنة. لأن التّعبير: (لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ) أي لم يطّلعوا عليها لخلّو بالهم من شهوة النّساء، فلا تغريهم زينتهن إذا انكشفت لهم.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أم سلمة، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، رقم 4324.