نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣٥٨

بعد أن حدّد الله المحارم الذين يجوز للمرأة أن تبدو أمامهم بزينتها، وهي المنبت الطّبيعي للنّسل البشري، يجب أن يستنبت وأن توفّر له كلّ الإمكانيات التي تحقّق له الإنماء والازدهار، أمر الله المؤمنين أن يزوّجوا أياماهم وحمّلهم مسؤولية ذلك.

وضمير الخطاب مع "مِنْ" التّبعيضية يقصد به الجماعة المسلمة من الرّجال والنّساء الأحرار، لأن الآية خصّصت بالذّكر العبيد والإماء، فلا يجب أن يكون عدم وجود المال عائقا لتحقيق ذلك، وقد اختلف العلماء في هذا الأمر، أهو للوجوب أم للنّدب أم للإباحة؟، وكلّ له حجته ودليله من السّنة.

يقول الإمام القرطبي في تفسيره: "اختلف العلماء في هذا الأمر على ثلاثة أقوال: فقال علماؤنا: يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت، ومن عدم صبره، ومن قوّته على الصّبر وزوال خشية العنت عنه، وإذا خاف الهلاك في الدّين أو الدّنيا أو فيهما فالنّكاح حتْم، وإن لم يخش شيئا وكانت الحال مطلقة فقال الشّافعي: النّكاح مباح، وقال مالك وأبو حنيفة: هو مستحبّ".(1)

وبالرّجوع إلى بيان السّنة المطهرة، وإلى التّطبيق العملي لهذا الأمر في عهد رسول الله يكاد الإنسان يرجّح الحتمية والوجوب، سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار وجود التّضامن والتّكامل بين المسلمين، إما بطرق البرّ والإحسان بينهم، وإما عن طريق بيت مال المسلمين عند قيام الدّولة الإسلامية، حتى أن الرّسول عليه السلام في إرشاده للشباب أن يتزوّج قد وضع له البديل بالصّوم عند عدم الاستطاعة فقال عليه السلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».(2)

(1) 1 - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 12/ 239.

(2) 2 - رواه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة … ، رقم 1400.

٣٬٦٩٨ / ٦٬٧٦٧