نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّمل

الجزء ١٣ · صفحة ١٠٨

وكان لا بدّ لموسى من آية يطمئن بها في تحمّل تكاليف رسالته، وهنا يختصر النّصّ تلك المساءلة عن العصا التي فضّلت في سورة "طه" فأمره المولى هنا مباشرة بإلقاء عصاه إذ قال: (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لاَ تَخَفِ اِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

إلقاء العصا وانقلابها حية تسعى هو المعجزة الأولى التي بهرت موسى، وعلم أنّ الله تعالى يعدّه لمهمّة كبرى، وكان من الطّبيعيّ في وجوده البشريّ أن يضطرب ويخاف، فيبتعد مولّيا ظهره غير راجع إلى مكان الحيّة السّاعية، فناداه الله مرة أخرى ليزيل عنه ذلك الخوف: (يَا مُوسَى لاَ تَخَفِ اِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)، وعلّة النّهي عن الخوف بقوله تعالى: (اِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)، هي لإشعار موسى نهائيا بأنه قد اندرج في عداد المرسلين، الذين هم في حماية ربّهم، يحفظهم من كل خوف.

ثم يأتي الاستثناء المتصل في قوله تعالى: (إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناَ بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وبما أن الاستثناء من عموم الخوف، ومنه خوف العقاب على الذّنب، فإنّ لموسى في نفسه هاجس الذّنب من قتله للقبطي، فكأنّ هذا الاستثناء قد تعرّض بلطف لتلك الحادثة، فأراد الله تطمين خاطر موسى بأنّ الله قد غفر له ذلك الذّنب، لأنّه حصل قبل أن يصطفيه الله للرسالة كما وردت القصة في سورة القصص، قال تعالى عقبها: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (16).

٣٬٩٥٢ / ٦٬٧٦٧