سورة النّمل
الجزء ١٣ · صفحة ١٢١في هذا النصّ المشتمل على ثمان آيات نقرأ فعلا مثيرا من تاريخ سليمان عليه السلام في إدارة ملكه بحذق وحزم مهتمّا بنشر دين الله القويم بكل الوسائل المستطاعة، وهو في سيره مع جنده يقوم بمهمّة التّفقّد لوضعية ذلك الجند ويتابع جميع أحواله، شأن الرّاعي الحازم المهتمّ بشؤون رعيته، ولكن لماذا ركّز تفقده على الطّير وحدها؟.
والإجابة تكمن في ما ذكره العلماء والرّواة بأنّ سليمان كان في رحلة إلى مكّة للحجّ، وأمامه مفاوز وعرة شاسعة تحتاج إلى خبرة في معرفة مواقع الماء، وطائر الهدهد هو المهيّأ للقيام بتلك المهمّة؛ لأنه كما تقول الرّواية: يبصر الماء في الأرض كما يبصر أحدكم الخيال من وراء الزّجاجة.
ولما لم يجد سليمان الهدهد حاضرا في مكانه، قال مخاطبا الجند: (مَا لِي لآَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ)، فالاستفهام هنا للتعجيب، ولكن يتعجّب من نفسه؛ لأنه لم يره، وربما كان حاضرا، ولذلك أضرب عن الاستفهام الأول بـ"أم"، فتيقن أنه كان من الغائبين، ولم يكن قد طلب الإذن على ذلك، فقال سليمان متوعّدا الهدهد بالعقاب إن لم يبرّر غيابه بعذر مقبول: (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا اَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَاتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ)، فقد كان سليمان حازما وعادلا في معاملته لرعيته، ذلك بأنه:
أ) - لم يتوان في إدراك موضع الخلل في صفوف جيشه، وعندما تعيّن المتسبّب فيه، وهو غياب الهدهد، لم يتردد في معاقبة المقصّر في واجبه؛ لأن السّكوت على ذلك تنجرّ عنه تحدّيات أخرى تفضي إلى الفوضى واللاّمبالاة.
ب) - عدله في تنويع العقوبة حتى تكون وفق حجم الجريمة المرتكبة، وذلك لا يتأتّى للقاضي إلا بالنّظر الحصيف في ملابسات الخطأ المرتكب.
ج) - إعطاؤه الفرصة للجاني بالدّفاع عن نفسه بما يكون له عذرا مقبولا فقال بعد التّهديد: (أَوْ لَيَاتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ).