سورة النّمل
الجزء ١٣ · صفحة ١٣٠إعادة النّداء لعلية القوم هي لجذب انتباههم، ليشيروا عليها في شأن الكتاب، وقولها: (فِي أَمْرِي) لأنها هي المسؤولة الأولى عن شؤون المملكة، وربما كانت تعرف عن سليمان وقوّته ما لم يكن القوم يعرفونه، وقولها: (مَا كُنتُ قَاطِعَةً اَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) يدلّ على أنها كانت تأخذ بأمر الشّورى في جميع قضاياها، وفي ذلك ما فيه من حسن السّياسة والدّهاء في إدارة ملكها، فردّ الملأ عليها بقولهم: (نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالاَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ).
أظهر القوم استعدادهم للمجابهة والحرب بما يتوفر لديهم من القوة والشّدة، ذلك لأنهم أدركوا ما يتضمّنه جواب سليمان من التّهديد الخفي للخضوع والاستسلام له، فلا بد من الرّدّ القويّ، ولكنهم فوّضوا الأمر إلى الملكة في ما تراه الأصلح، فينفذون أمرها للحرب أو السّلم، فناقشتهم بموضوعية وحكمة، مؤثرة جانب السّلم على الحرب، معللة رأيها بالواقع التّاريخي في الصّراع على الملك والتّوسّع فقالت:
(قَالَتِ اِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً اَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذَالِكَ يَفْعَلُونَ، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ اِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةُم بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ).
لقد قرّرت أمامهم قاعدة اجتماعية أيّدتها وقائع التّاريخ البشريّ في صراع البقاء، بما كان يفعله الملوك الأقوياء في فتوحاتهم للسيطرة والتّوسع، فهم يكتسحون المدن ويخرّبون عمرانها ويستذلون أهلها بعد أن كانوا في عزّة ومنعة، ثم ذيّلت كلامها الحكيم بقولها: (وَكَذَالِكَ يَفْعَلُونَ) لتصوير تلك الحالة الدّائمة المستمرّة، حتى تجنّب قومها ويلات الحرب. ويحتمل أن يكون جملة: (وَكَذَالِكَ يَفْعَلُونَ) هي من كلام الحقّ تبارك وتعالى، يؤيد بها ما ينطق به عباده من الحق -أحيانا-.