سورة النّمل
الجزء ١٣ · صفحة ١٥٣(أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمُ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَآ أَ. لَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ):
(أَمَّنْ): مركبة من "أم" المنقطعة التي تفيد الإضراب الانتقالي، أي بمعنى "بل" و"من" الاستفهامية، وهي هنا تفيد التّقرير، وقوله: (أَنزَلَ لَكُم) الخطاب للمشركين بالله الجاحدين لنعمه التي تدلّ على بديع صنعه وقدرته، وقد عدّد الله مجالي تلك القدرة مما هو شديد الاتصال بحياة الإنسان في إطارها الزّماني والمكاني في أسئلة تقريرية هي أنسب بلغة الإقناع والحجاج، وكلّها أشياء لا يستطيع المشركون إنكارها ولا يدّعون نسبتها إلى معبوداتهم الباطلة، فبدأ الله بالمجال الأعظم لقدرته بخلق السّماوات والأرض بكلّ ما أدركه الإنسان من أسرارهما وما لم يزل في عالم الغيب. ومن إعجاز القرآن قوله: (لَكُم) عند ذكر إنزال الماء من السّماء؛ لأن تلك الظّاهرة الطبيعية تخصّ كوكب الأرض مما نعلمه ونشاهده، وكذا مزاوجته بين أسلوب الغيبة والمتكلم في هذه الآية، عندما قال تعالى: (فَأَنبَتْنَا بِهِ) فالإسناد لنون العظمة هنا للدّلالة على أن عملية الإنبات من خصوصية الخالق لا يد للإنسان فيها، وإن كان يحرث ويزرع ويسقي، ولذلك نفى تلك الشّبهة بقوله: (مَّا كَانَ لَكُمُ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا)، أي ليس ذلك من شأنكم ولا في قدرتكم، والتّعبير بلفظ: (حَدَآئِقَ) مع الوصف: (ذَاتَ بَهْجَةٍ) للفت النّظر إلى النّاحية الجمالية لمتعة العين وانشراح الخاطر بالإضافة إلى النّاحية الغذائية بما توفره من أنواع الفواكه والثّمار.