سورة النّمل
الجزء ١٣ · صفحة ١٥٥ثم قال تعالى في التّذييل هنا: (بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)، استدراك بالإخبار عن جهل أكثرهم لتلك الحقائق؛ لأنهم بحكم إلفهم لمشاهدة تلك الظّواهر الطّبيعية فهم لا يعيرون لها اهتماما لتدبّر القوة المبدعة التي وراء تدبير تلك الأمور، فليتهم ينصتون إلى آيات القرآن التي تعلّمهم فنقطع عليهم الحجة.
ثم قال تعالى: (أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الاَرْضِ أَ. لَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَّكَّرُونَ).
المضطرّ هو الذي نالته ضرورة من مرض أو خوف أو جوع أو غيرها من الأسباب، فهو لا يلتجئ إلاّ إلى الله خالق الأسباب والمسبّبات، يلتجئ إليه في تضرّع وانفعال ليفرّج عنه ما به من ضرّ، وهذه الحالة النّفسية عند الشّدة هي مستكنّة في فطرة الإنسان ولو لم يكن مؤمنا، لأنّ حالة الاضطرار تقطع صلته بعالم الشّهادة بعد أن يستنفد كلّ ما يتوفّر لديه من الأسباب، ولم تجده نفعا، فحينئذ يجأر إلى الله ويستغيث به حصريا، وتبقى الإجابة متعلقة بإرادة الله لأنّه أعلم بحال الدّاعي حين يدعوه، وهو الذي يقدّر المصلحة في ذلك، وهذا المعنى قد تكرر في القرآن بأساليب مختلفة، وأغلبها يمثل طغيان الإنسان وعناده بمجرد أن يخرج من ضائقته كقوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلآَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمُ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الاِنسَانُ كَفُورًا) (الإسراء:67).
ثم قال تعالى: (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الاَرْضِ)، أي يخلف بعضكم بعضا في عمارتها، وذلك بتعاقب الأجيال، وتعاقب الحضارات في تسخير موارد الأرض وتبادل منافعها، وفي التّعاون والتّكامل في مجال العلوم والمعارف، وتدلّ صيغة المضارع في فعل: (يَجْعَلُكُمْ) على التّجدّد والاستمرار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.