نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّمل

الجزء ١٣ · صفحة ١٦٥

جاء التّعبير بالوعد عوضا من الوعيد على اعتبار عدم إيمانهم بالبعث وما يقع فيه من الأهوال، جاء الجواب الإلهي بالأسلوب الحكيم أمر الرّسول بتوجيهه إليهم، وصدّرت الجملة بـ"عسى" التي هي للتّحقيق في حق الله كما قال الإمام الزّمخشري: "عسى، ولعل، وسوف، في وعد الملوك ووعيدهم يدلّ على صدق الأمر وجدّه، وما لا مجال للشّك بعده".(1)

قلت: ولله الحكمة البالغة في أسلوبه الحكيم في الرّدّ على هؤلاء المتعنتين، إذ اكتفى بذكر بعض العذاب مما يستعجلونه دون عذاب المحق والاستئصال، و"ردف" بمعنى صار قريبا منكم، وهو ما نالهم في بعض الغزوات، وأما يوم القيامة وأهوالها فهو من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وإن تأخير العذاب العاجل في الدّنيا والآجل في الأخرى إنما هو من رحمة الله وفضله على خلقه لعلهم يزدجرون، ولذلك قال تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ).

فالله تعالى قادر على أن يعجّل بالانتقام، ولكن حكمته اقتضت إرخاء الحبل للناس ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيي عن بينة، فلو عجل الله نقمته على كفار قريش لما خرج منهم أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهم كثير من قادة الإسلام وعظمائه من بعد. فالواجب هو شكر المنعم على فضله وإحسانه، وقليل من عباده الشّكور، وهو تعالى عليم بطبائع خلقه مما يسرّون وما يعلنون، قال تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ).

(1) 1 - الزمخشري، الكشاف: 5/ 103.

٤٬٠٠٩ / ٦٬٧٦٧