نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القصص

الجزء ١٣ · صفحة ٢١١

لم يكن موسى عند خروجه يقصد مدين بالذّات، وبالتّالي فقد تشعّبت عليه السّبل، ولذلك اتّجه إلى ربّه أن يدلّه على الطّريق الأقوم، ثم هو لا يزال مرصودا من عدوّه، فاستجاب الله دعوته إذ اتّجه صوب مدين، قيل: إنّه سلك الطّريق الوسط، بينما سلك عدوّه بنيّات الطّريق وراءه، ظنّا منه أنّ موسى يختار المسالك غير المعروفة، وهكذا أصبح هائما على وجهه بدون راحلة ولا زاد، إلا الزّاد الرّوحي بالثّقة الكاملة في ربّه، يسدّد توجّهه ويطوي له البعاد.

(وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ).

لقد انتهى موسى إلى وجهته في أرض مدين -وهي على مسافة ثمانية أيام من مصر-، وإضافة "الماء" إلى "مدين" جارية على مألوف العرب في اتخاذ آبار تنسب إلى أصحابها وتقع قريبا من مضاربهم وتجمّعاتهم السّكنية لشرابهم وسقي مواشيهم، وورود الماء بمعنى الوصول إليه، فإذا بموسى أمام مشهد لا ترتاح إليه نفسه الشّهمة الأبيّة، وقد انتهى إلى ذلك الماء مجهودا مكدودا من وعثاء الطّريق خاوي البطن لا يسدّ رمقه إلاّ بأوراق الشّجر، ليجد الرّعاة الرّجال يتزاحمون على البئر لسقي مواشيهم، وكان الجوّ حارّا، بينما هناك امرأتان تنفردان بأغنامهما وتمنعانهما من الشّرب تنتظران انحسار الرّجال عن البئر، يا له من مشهد لا يروق ذوي الشّهامة والمروءة!، فما كان من موسى إلاّ أن سأل عن شأنهما، فكان منهما تلك الإجابة التي حرّكت في نفسه الشّهامة والنّخوّة: (لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ).

٤٬٠٥٥ / ٦٬٧٦٧