سورة القصص
الجزء ١٣ · صفحة ٢١٩لقد أكمل موسى أكمل الأجلين وأطيبهما كما قال ابن عباس رضي الله عنه، فبرئت بذلك ذمّته مع الشّيخ الكبير، لقد تحرّك به الشّوق إلى أهله وقومه فسار مصاحبا أهله متوجّها شطر مصر، وشتّان بين الخروج منها والإياب إليها، هو ذا مصحوب بأهله مزوّدا بما يكفيهم من طعام، ولكنّ النصّ يسكت عن بيان ما استفاده موسى في مدّة رعيه، وتذكر الرّواية أنّه عاد بقطيع غنم على عادة الموّالين أنّهم يعيّنون للرّاعي قسمة في الغنم مقابل عنائه، ويستروح ذلك من إجابته لله تعالى عندما سأله عن عصاه فقال: (هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَاَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى) (طه:18). كما يدلّ حديثه مع أهله أنّ الفصل شتاء بارد، واللّيالي غير مقمرة وقد ضلّ الطّريق، فلا بدّ من هاد يسترشده، فإذا بنار تلوح من بعيد، ولعلّه قد رآها وحده، فقال لأهله: امكثوا في مكانكم، على أنّ صيغة الجمع إمّا أن تكون للتّعظيم، وإمّا لتدلّ على ركب يكون فيه معه ولده وخادمه كما تقول الرّواية: اتجه موسى صوب النّار ليسأل صاحبها عن الطّريق، أو يأتي بقطعة من النّار يستدفئون بها من البرد. وانتهى إلى شاطئ الواد الأيمن، أي من النّاحية الغربية لجبل الطّور، حيث البقعة المباركة التي تحتضن الشّجرة المباركة مبعث ذلك النّور القدسي، وهناك تلقّى موسى النّداء العلوي المقدّس الذي اهتز له الكون كلّه، والمنادي هو الله ربّ العالمين.