نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القصص

الجزء ١٣ · صفحة ٢٢٥

وفي كلتا الحالتين، فهما مخافتان لا بدافع الجبن والانتكاس، ولكن بدافع الإشفاق والاحتراس، فجاءت الاستجابة الإلهية مطمئنة واعدة: (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِئَايَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ)، العضد هو مركز القوة في يد الإنسان، وهو الجزء من المرفق إلى الكتف، والشّدّ عبارة عن الرّبط، وهو كناية عن قوة التّأييد والمساعدة، وإذا ما استحكمت المودّة بين الأخوين فإنهما يتكاملان في مواجهة الضّراء والبأساء بما لا يلقاه أحدهما في غيره من الأقرباء، وفي هذا المعنى يقول الشّاعر العربي:

أخاك أخاك إنّ من لا أخا له … كساع إلى الهيجا بغير سلاح

استجاب الله دعوة موسى، فها هو هارون إلى جانب أخيه يؤازره ذهابا إلى فرعون، وقد وعدهما الله بالنّصر والغلبة على عدوّهما بالآيات الحسية كالعصا واليد، وبالحجّة القاطعة بالإفصاح والبيان.

والباء سببية في قوله تعالى: (بِئَايَاتِنَا)، أمّا متعلّقها ففيه احتمالات:

أ) - يتعلق بمحذوف تقديره: "اذهبا بآياتنا"، كقوله تعالى في سورة الشّعراء: (كَلاَّ فَاذْهَبَا بِئَايَاتِنَا) (15).

ب) - يتعلق بقوله: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا)، أي رهبة في نفوسهم.

ج) - يتعلق بقوله: (فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا)، أي يصرف الله أذاهم عنكما بما أيّدكما به من الآيات.

ومع كلّ تلك الاحتمالات يكون قوله: (أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) تلخيصا لما تقدّم، يعد الله فيه بالنّصر والغلبة لرسله وأتباعهم من المؤمنين.

ويطوي النّصّ ذكر ما كان من موسى وأخيه من التّهيئة والاستعداد للذّهاب إلى فرعون وينتقل إلى ذكر مثولهما بين يديه: (فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَى بِئَايَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي ءَابَآئِنَا الاَوَّلِينَ).

٤٬٠٦٩ / ٦٬٧٦٧